مذاق العفة

هذه فاكهة الحب، اللوحة لمارك شاجال.
هذه فاكهة الحب، اللوحة لمارك شاجال.

لو أن ستارًا من السرية تم فرضه على انتقال المعلومات بين المجتمعات باستثناء المطعم، وكان علينا أن نستقي معلوماتنا عن الشعوب من هذا المصدر الوحيد لأقسمنا دون أدنى تردد أن الأمريكيين الذين يأكلون بشكل سيئ لا ينجبون الأطفال، بل يصنِّعونهم في المصانع أو يستولون عليهم من البلاد التي يهاجمونها! فبالنسبة لمصري يقدر الدلالة الشهوانية لزوج من الحمام المحشي، أو طاجن كوارع بجوزة الطيب لا يمكن تصور اثنين ينخرطان في فعل الحب عقب وجبة هامبورجر أو كنتاكي.

هذه ليست لحمة، هذا ولع الكم.
هذه ليست لحمة، هذا ولع الكم.

 

الشعوب القديمة كلها لا تفصل الفراش الجيد عن الطعام الجيد أبدًا، ولدى كل شعب أكلات صديقة للحواس يعد تقديمها أفضل مقدمة إيروسية تلجأ إليها المرأة عندما ترغب في استعادة الرجل المتباعد. وتقوم منتجات البحر من المحار والسمك وبيضه مع النبيذ لدى كثير من الشعوب بالعبء الأكبر للاحتفاظ بكفاءة الرجال سريعي العطب، بينما يتحمل الطعام وحده ـ بحريًا كان أو بريًا ـ هذه المسئولية الصعبة لدى الشعوب الإسلامية التي تقتصر استعانتها بالخمور على الطبقتين العليا والدنيا المحدودتين، وتضطر الغالبية العظمى إلى تعويض الأثر الحراري للخمر بالتوابل الحريفة، والخضروات المهيجة، والأجزاء الفعّالة من أجساد الذبائح.

لا تخلو الكتب العربية الشهوانية من وصف هذه الأجزاء للرجال الراغبين في حيازة القوة المفرطة، بينما لا تصف تلك الكتب شيئا من ذلك للمرأة التي لم تضعها طبيعتها التشريحية في الاختبار الدائم الذي يتعرض له الرجل.

من التقاليد المرعية لدى كثير من نساء الطبقة الشعبية الحفيات بشؤون الجسد، تدليل الرجل بالطعام الإيروسي وحده بعيدًا عن عيون الأطفال. وربما تكون هناك علاقة لهذا التقليد بتراث الشهوانية العربية، حيث لم تعن كتب الإيروسية العربية بشيء قدر عنايتها بالحكاية الجيدة والطعام الجيد.

في  “ألف ليلة وليلة”  يبدو بسط السماط أمام عيون خيال المستمع التزامًا شهوانيًا من الراوي وتمهيدًا دائمًا لحفل عرس أو ليلة نكاح جيدة، بينما يصف كتاب “رجوع الشيخ إلى صباه” أنواعًا من الأطعمة تصلح قبل الجماع لإكساب القوة العاجلة وأخرى بعده لاسترداد العزيمة. ويضع “رجوع الشيخ” شأنه شأن غيره من الكتب وصفات الطعام المقوية للرغبة والأخرى المعظمة للقدرة على المدى البعيد. ومن الوصفات التي يزكيها الكتاب الشراب الريحاني وهو مرق اللحم المدقوق والمطبوخ مضروبًا بصفار البيض، وربما كانت هذه الوصفة هي أصل الأسطورة التي عاشت طويلاً حول العادات الغذائية للملك فاروق، وتزعم أنه كان يتناول عصير الخروف في كأس صغير. وقد حيكت الأساطير عن طعامه لتتناسب مع سيرة متخيلة لملك داعر، ولم يكن هناك من يسأل عن الطريقة التي يمكن بها تلخيص خروف في كأس، إلى أن نشرت مذكرات كريم ثابت السكرتير الصحفي للملك الذي أعلن أن مليكه وصديقه لم يكن من الموهوبين في أي من المجالين: الأكل وممارسة الجنس.

قبل اللحم تركز كتب الشهوانية العربية على محاح أو صفار البيض. وعلى عهدة  الشيخ النفزاوي فإن المداومة على شرب صفار البيض على الريق يقوي الشيخ الكبير والطفل الصغير،  فإذا ما أضيف البصل المدقوق مع الهليون المسلوق والمقلي في السمن مع الأبزار فإن النتيجة لا توصف.

ولم يتمسك النفزاوي في روضه العاطر بتلك الوصفة وإنما أضاف إليها وصفات أسطورية مجربة في حكاية شديدة الفنية والإثارة عن أبي الهيجاء وعبده ميمون وصديقه أبي الهيلوخ الذين قبلوا تحدي الأميرة الزاهرة المحبة لبنات جنسها، وقد طلبت من الأول الدخول على ثمانين بكرًا في ليلة واحدة دون إنزال، ومن الثاني مضاجعة امرأة واحدة خمسين ليلة دون كلل، أما الثالث فقد طلبت منه الوقوف أمام نسائها ثلاثين يومًا بسارية العلم مرفوعة دون نوم ليلاً أو نهارا. وكانت مكافأة  نجاحهم الظفر بها وبالبنات اللاتي تساحقهن، أما الإخفاق فمعناه سقوطهم أسرى يتم الحكم عليهم بما تراه النساء فيما بعد. وأمام هذه القسوة اشترط الرجال حليب النوق والعسل من غير ماء شرابًا لأبي الهيجاء وغذاؤه الحمص مطبوخًا باللحم والبصل الكثير، ومثله طلب أبو الهيلوخ من اللحم والبصل، لكنه طلب شرابًا من عصير البصل مع العسل أما ميمون العبد فإنه لم يتزيد، إذ طلب محاح البيض مع الخبز، وقد أوفى الحُران بالشروط، بينما أضاف أبو الهيجاء من عنده على سبيل التحدي عشرة أيام أخر على عبده ميمون فوفى وزاد، وتقول الحكاية إنهم عند ذلك حازوا كل ما في القصر من أموال وبنات وخدم ونساء وحشم وقسموه بينهم على السواء!

وإذا كان هناك من يتشكك في نتيجة الوصفة أو تجزع نفسه من البيض النيئ فإنني أصف له الحكاية ذاتها فهي مجربة ولا يقل أثر سبكها عن أثر الحمص باللحم.

في السينما المصرية، لا تتسلل امرأة على أطراف أصابعها إلى عرين رجل إلا وصينية الطعام في يدها من أجله وحده، لا تفكر الأنثى في مزاحمة ذلك المخلوق البائس الذي عليه دوما الاحتفاظ بتوازن لاعب السيرك. وإذا لم يجد الرجل الزوجة المنتبهة فإنه يؤدي هذه الخدمة لنفسه، وعادة ما يتخذ الرجل العائد من عند الجزار أو السمَّاك سمت الصياد الظافر. في فيلم داود عبد السيد “مواطن ومخبر وحرامي” يعود المخبر باللحم للأبناء والزوجة، بينما يناولها مع غمزة من عينه تشبه الوعد لفافة أخرى تخصه. وفي السرير نشاهد الزوجة الطيبة وهي تواسي المخبر المخذول وقد أخذ يتوعد الجزار الغشاش الذي أعطاه كلاوي بدلا من المخاصي!

في ليلة الزفاف لا تزال غالبية المصريين تحرص على “حلة الاتفاق” ورغم أن نسبة كبيرة من أفراح الميسورين تقام اليوم في الفنادق والنوادي التي تقدم العشاء للمدعوين، فإن العروسين تنتظرهما الوجبة الخاصة الملهمة، حيث يتمسك عدد كبير من الناس بأن يرافق العروس ما يسمى بـ “العشاء ” الذي تحمله أسرة العروس في المدن إلى العش الجديد كيفما اتفق، بينما يتمتع في الريف بما يستحق من تبجيل، حيث تتبختر به الفتيات الأجمل في محيط الأسرة والجيران ويمضين بفخر حاملات القرابين المقدسة خلف عربة المفروشات التي تدور شوارع القرية.

 ويضم موكب العشاء خبزًا طازجًا وعددًا من حلل الخضار باللحم والأرز تتصرف فيها أم العريس باستثناء “حلة الاتفاق” التي تصنعها امرأة خبيرة في غرفة نوم العروسين عشاءً لليلة المعرفة.

الطعام الجيد دعوة إلى الفراش لا يكتمل بدونها الأثر الشهواني للتطيب والتزين الذي لا يمكن أن تجيده امرأة خبيرة دون أن تجيد صنع الطعام اللذيذ، لكن الأمريكيين الذين لا يجيدون احترام الحواس ينفذون فيما يبدو مؤامرة على الجنس البشري تنتهي به إلى الانقراض بما يصنعون من طعام. وهذه هي المؤامرة الأمريكية الوحيدة التي لا تنطوي على العنصرية، فهي تستهدف الشعب الأمريكي كما تستهدف الشعوب الأخرى. وليس معنى هذا أن الطعام الأمريكي يفتقر إلى الدلالة الشهوانية بشكل مطلق، فطبقتا الخبز الثخينتان في ساندويش الهامبورجر تتخذان شكل ردفين منطبقين، بينما تحيل الزيادات الحمراء التي تطل من بين طبقتي الخبز بصلصة المايونيز فوقها إلى شكل شفرين ملوثين بالمني، وهي دلالة فجة وستكون نتيجة الانتباه إليها أسوأ بكثير من نتيجة الغفلة عنها، حيث لا ترقى إلى مستوى المجاز الذي يتمتع به الشواء الطيب برائحته المنعشة وتحولات قطعة اللحم على النار وهي تتجه إلى اللون الذهبي فالأحمر المتوهج كالجسد الراغب.

خرج الأمريكيون إلى العالم بعد ظهيرة التاريخ فلم تؤثر عنهم وجبة إفطار. وبقيت هذه الوجبة منطقة نفوذ للعالم القديم، من نعومة ” الكرواسان ” إلى خشونة الطعمية.

رغم مظاهر الأمركه العديدة التي خضعت لها البشرية، ظلت الشعوب مخلصة لوجبات إفطارها، ربما لأن الإنسان يكون مسيطرًا على حواسه وقادرًا على الوفاء لعاداته القديمة في لحظات استيقاظه الأولى (وهولم يزل محتميا بجدران بيته) وربما لهذا السبب أيضا حظيت تجارب زرع محلات الطعام الأمريكي  في الأحياء القاهرية العتيقة بنتائج غير مشجعة. وقد استفاد الأمريكيون من هذا العداء لمنتجاتهم الذي تمارسه العمارة القديمة؛ فوضعت استراتيجيات مختلفة لغزو المينة العريقة تختلف عن خطط غزو غيرها من المدن. في رومانيا مثلاً، اتنتشرت محلات الأطعمة الأمريكية في قلب العاصمة بوخارست بسهولة عقب سقوط الشيوعية، بتجاور مريح مع الأبنية الشيوعية الخرقاء، بينما اختارت أماكنها بعيدًا عن العمران في مداخل المدن العريقة مثل تيميشوارا وسيجيشوارا وبراشوف. كان بوسع  الزائر لهذه المدن في بدايات التسعينيات من القرن العشرين رؤية علامات “كنتاكي” و”ماكدونالدز”  فوق بناءات معدة على عجل مثل خيام جيش يحاصر مدينة محصنة.

الأحياء الجديدة من المدن العتيقة والتجمعات العمرانية الجديدة التي لا تتميز بأصالة معمارية أو اجتماعية هي المجال الحيوي لأسطورة اللحم الأمريكي، من ” الهامبورجر ” إلى الدجاج المقلي. و عندما نقول ” أسطورة اللحم الأمريكي ” فإننا نعني خيالتيه؛ فهو شئ موجود وغير موجود. ليس لحما صريحا في شكله الحيواني الأصيل الذي تقدمه شعوب أقدم لا تفصلها حدود عن أمها الطبيعة (لوقدم الأمريكيون هذا اللحم الصريح لأصابت العالم الدهشة تحت وطأة تصور انتصار الهنود الحمر وعودتهم إلى السيطرة علي مقدرات بلادهم) ولأن الهنود الحمر لم ينتصروا، فسوف يظل العالم يستقبل ذلك اللحم المموه الذي ينتجه الغزاة كسكين ملفوف بالحرير.

في “الهامبورجر”لحم، ولكننا لا نعرف أصله أو نسبته إلى المكونات الأخرى، أما الدجاج المقلي؛ فهو في الأصل دجاج، هذا شبه مؤكد ولكنه متخف تحت طبقة سميكة من الدقيق الخشن تموه أصله الحيواني إضافة إلى البهارات التي تسوط اللسان ولا تدع له فرصة لتأمل الطعم. القطع صغيرة وتبدو في نمذجتها كما لوكانت خارجة من مصنع.

إنها أسطورة اللحم الأمريكي؛ لا مهرب منها إلا إليها. ولا يمكن فهم  الحروب الإعلانية بين الهامبورجر والعلامات التجارية الشهيرة لمحلات الفراخ المقلية إلا باعتبارها الحل الأمثل لتخليص مخازن حلف الأطلنطي من الأطعمة منتهية الصلاحية، مثلما تتكفل الحروب هنا وهناك بتخليص  مخازن الحلف من الأسلحة الأقدم.

أسس الأمريكيون لمبدأ اليبوسة، الذي يرتبط بالموت، بينما لا يكون الطعام طعامًا إلا إذا احتفظ بالطزاجة. وقد حاول مجمع اللغة العربية الاحتفاظ بهذا المبدأ في تعريبه لكلمة “ساندويتش” فجاء على شكل فزورة: “شاطر ومشطور وبينهما طازج”  ولم ينزل هذا التعريب إلى الشارع بسبب طوله، وربما بسبب تعارضه البائن مع حقيقة “الهامبورجر” الساطعة، إذ لا يوجد طازج بين شاطر “الهامبورجر” ومشطوره.

لم يقف المجمع اللغوي وحدة عاجزًا أمام حقيقية “الهامبورجر” بل وقفت معه كل المجتمعات النامية، فالساندويتش القادم من أمريكا باعتباره طعامًا للعمال والموظفين في أوقات راحتهم القصيرة لم يزعزع رسوخ عربات الأطعمة الجائلة أمام أماكن تجمع العمال والموظفين في بلد كمصر، ليس إخلاصا من هؤلاء لعاداتهم القديمة، ولكن لأن أجر يوم العمل للواحد منهم لا يكفي ثمنًا لساندويتش الهامبورجر مع زجاجة الكولا ( إذا أردنا أن يتم الطقس كاملاً) وبالتالي فقد الهامبورجر إحدى سماته الأمريكية لينحصر في طبقة معينة، بل في سن معينة من بنات وأبناء الأغنياء الجدد.

لا يُعامل الهامبورجر كوجبة، بل كشيء بين الوجبات لصبية وصبايا تناولوا غداءً جيدًا وينتظرهم عشاء جيد، أي أنه ارتفع من مستوى الضرورة ليصبح “علامة ” أو شارة تعارف تعلن عن ثراء وتحرر هؤلاء الشباب. “ثراء” لأن الساندويتش مع الشراب المثلج وبطاقة السينما ميزانية لا يقدر عليها غيرهم. و” تحرر” لأن الأولاد والبنات يستطيعون الخروج دون حراسة ذويهم في سن يعتبرها الفقراء خطرة. هكذا ترى أمام محال الوجبات الأمريكية بنينًا وبناتًا في عمر وطول واحد، كأن مقصًا قصهم على مقاس محدد يأكلون بلا لذة سوي لذة مشاركة مجايليهم حول العالم  لحظة الانتشاء بالتهام هذا الخراء الكوني.

أكثر من هذه اللذة الخرقاء ـ لذة النمط ـ لا يمكن إيجاد سبب معقول يجعل تاجرًا يُقدم على دفع عشرات الألوف من الدولارات للحصول علي علامة أمريكية شهيرة لمطاعم الدجاج، فما العبقرية في أن يقلي الإنسان فراخًا وبطاطس من تلقاء نفسه؟! وهل كتب علينا هذا النزف الدائم للثروات ؟

إنها أحكام الجنة الأمريكية التي لا يمكن أن يستمتع بها من يمتلك لسانًا له ذاكرة أو عينًا تقدر حريتها؛ فالمطعم الوطني لا يقدم لذة التذوق فقط، بل إنك ـ في انتظار وصول طعامك ـ  ستجد لذتك الخاصة في مراقبة الفروق بين الموائد، أو بين المقاعد، وليست جميعها من عمر واحد، كما أن عمليات الإصلاح غير المتقنة لساعد مقعد أو رجل طاولة يمكن أن تستغرقك وأنت تتأمل قطعة الخشب الناتئة مثل جبيرة على الساعد أو الساق.كما أنه لا يوجد مطعم يخلو من صورة بدءً من مستنسخات اللوحات العالمية مرورًا باللوحات الأصلية لفنانين متواضعين من رواد المطعم وانتهاء بصور عبد الحليم وليلي علوي المقصوصة من المجلات أوالصحف أو صور حقيقية لبعض رواد المطعم المشهورين. وعندك بعد كل هذا للتأمل، ذلك التنوع الفذ في نوعيات الرواد حولك فإذا انتهيت من كل هذا يمكنك أن تغمض عينيك لتتصور الكيفية التي سيأتي عليها طلبك الذي لا يمكن أن يكون علي نفس الدرجة من النضج في كل مرة.

وتمتلئ الروايات ـ حتى الأمريكية منها ـ  بأوصاف الأطباق المميزة والنبيذ ودرجات الظل وألوان الضوء والستائر والمناشف وأغطية الطاولات والورود في المطاعم التي تداعب الحواس، بينما لا يمكن الاستغراق في وصف مطعم الوجبات السريعة، فلا شئ علي الإطلاق في الجنة الأمريكية يستدعي الوصف:الطاولات متشابهة تماما والمقاعد أيضا بلا أدني خطأ، الأرضية السيراميك لامعة بلا كسر في بلاطة يسمح بتأمله، الأمر الذي سيلقي بعينيك إلى حالة من البطالة المفزعة، فإن تطلعت على الحائط بحثا عن شيء لن تجد غير صور الطعام الذي ستتناوله، مما يكسر حتى لذة التوقع.

ربما يوجد أساس نفسي لفلسفة ” اخدم نفسك ” في المطعم الأمريكي، فلو جلس مرتاد هذا المطعم بلا عمل ليس أمامه سوى حل من اثنين: الجنون أو تشغيل حواسه، وفي الحالتين ستكون هذه آخر زياراته لهذا المكان.

 وأظن أن الاستفادة الاقتصادية من هذه الفلسفة جاءت كخطوة لاحقة، علي أن تقليل العمالة ليس السمة العامة للمطعم الأمريكي الذي صار كونيا؛ ففي العالم الثالث ـ حيث تستحكم البطالة ـ  يجد صاحب المطعم نفسه مضطرًا إلى تشغيل عدد من العمال يكفي لخدمة الرواد، ولكن الطقس يجب أن يتم كاملاً كما في الجنة الأمريكاني، وليس  من حقك أن تتميز غيظًا إذا دخلت أحد هذه المطاعم في غير أوقات الذروة ووجدت أنك الزبون الوحيد وعليك أن تخدم نفسك في مطعم يقف عماله في حلقات يثرثرون؛ وربما يراقبونك من طرف خفي ليتأكدوا من إخلاصك في خدمة نفسك!

لم تنتبه الفلسفة النفعية الأمريكية إلى ما دمرته في طريقها، فانحناءة النادل الملغاة توفر لزائر المطعم التقليدي وقتًا مختلسًا من عمر عبوديته، وتشعر الزوجين بأنهما ملك وملكة فتمهد لهما طريقًا إلى سرير ممتع، بعكس المهملين في المطعم الأمريكي مع الساندويتش البائس والكولا؛ شراب العفة.

لا تقف الخديعة على أبواب المطاعم فقط، فالمتأمل لإعلان أية سلعة أمريكية يرى إعلانًا يسوق النمط قبل السلعة التي ستعود لتستفيد من هذه الاستراتيجية؛ فيقبل الناس على شرائها لا لميزاتها الخاصة بل لأمريكيتها.

الإعلان في خدمة الحالة الإيمانية بالجنة الأمريكية، بما في ذلك إعلانات السجائر. في إعلان ” مارلبورو” الشهير لا يقع المنتج في صدارة المساحة المطبوعة، بل أنه يرتد إلى الخلف كـ ” أرضية / شعار ” أحمر قوي يصلح كأمثولة عن الدم الحار الذي يتدفق في شرايين “الكاوبوي” الضخم المتصدر الصورة بحبل متين، ثخين، يصطاد به حصانًا بريًا.

الحصان قوي وجامح. لو تصورنا اندفاعه هذا في مواجهة الكتلة المليونية بميدان الحسين في ليلة المولد الكبيرة بالقاهرة  لأكلنا الرعب علي عدد الحيوات التي ستصل أي نهاياتها بين حوافره، بما يحول المولد إلى كارثة وطنية؛ لكن الكاوبوي يصطاده ويذله لحسن الحظ. الرجل لا يمتلك القوة التي تمكنه من إذلال حصان بري فحسب، بل إن ابتسامته الواثقة وشعر صدره البازغ كأشواك السنط يبدو قاهرًا للطبيعة: لا الشمس أحرقت بشرته بادية العافية، ولا الريح التي لوحت قبعته قادرة علي إمالة شعره علي صدره أو في حاجبه الكث (كان من الممكن بقليل من الخطأ أن تكون القبعة كاملة الاستدارة) الأمر الذي سيجعل الملايين من المصدورين والمهزولين من أبناء مناطق الأمراض المتوطنه يدخنون السجائر الحمراء ويخشون صناعها وينتظرون يومًا يمتلكون فيه قوتهم، دون أن ينتبهوا إن كان هناك اختلاف في طعم تبغ مارلبور عن سجائرهم الوطنية أم لا، أو إن كان هذا هو بالضبط الطعم الذي يفضلونه.

إنه عالم ” مارلبورو” الساحر، أو عالم الجنة الأمريكية، حيث لا شئ اسمه الحقيقة! بل الفكرة ثم الدعاية التي ترفع هذه الفكرة إلى مقام الحقيقة. ربما تكمن قوة الأمريكيين في شكهم بحقيقتهم الذي جعلهم يسعون دائمًا إلى تسويق أفكارهم، بينما بادت غيرها من الحضارات بطمأنينتها إلى حقيقتها.

استطاعت الحضارة الأمريكية أن تقلب مفهوم العالم عن التميز، الذي استقر لقرون طويلة على الفرادة وامتلاك مالا يمتلكه الآخرون ليصير دخول جنة النمط مقياسًا جديدًا، ويكون الإنسان متميزًا بحجم قدرته علي امتلاك ما يجعله متشابها مع الملايين من البشر الآخرين. ورغم ذلك فالحضارة الأمريكية حضارة ديمقراطية، تتسامح مع قلة من مجانين الفرادة حول العالم، لا يزالون يتمسكون بالسجادة المصنوعة يدويًا والملابس المشغولة بالإبرة والتبغ السائب (لمن يمتلكون مزيدًا من الوقت والدعة للف سجائرهم بأنفسهم ) لا تشاكسهم بل أنها تصنع لهم الخيوط التي سوف تشغل الأنوال القديمة وإبر السيدات، وهي تصنع ورق البفرة لمن يريد أن يلف سيجارة. تستفيد قدر الممكن من السلالة المنقرضة التي يعلن وجودها الهش عن الحقيقة المبهرة: سيادة النمط.

ولا يقلل هذا الخروج القليل على النمط من حجم نجاح الأمريكيين في قص لسان البشرية وجدع أنفها باستغلالهم المخيف لإمكانات الصورة التي تقود العين إلى التوحش والإنسان إلى افتقاد ثقته في حواسه الأخرى وخصوصا التذوق والشم وهما السلاحان الحارسان لعادات الإنسان، والأهم أنهما مع اللمس الدعامات الأساسية التي بدونها يصبح الحب تحت رحمة المزاج غير المضمون لآلة شديدة النـزق.

———————–

النص فصل من كتاب الأيك