مرة أخرى: هل هناك فرصة لخروج خليجي آمن؟

للمرة الأولى يخرج اعتراف سعودي علني بحرج الموقف الخليجي في الملف السوري من خلال مقال الكاتب جمال خاشقجي في جريدة الحياة أمس السبت؛ الذي جاء بعنوان صادم للعديد من الخليجيين “خطر بوتين على السعودية” إذ لا قبل للسعودية أو الخليج بتلقي خطر، وحيث كان اللعب الخليجي آمنًا حتى هذه اللحظة.

وقد نبه الكاتب السعودي المهم والمقرب من النظام بوضوح إلى ضرورة أخذ التهديدات الروسية ضد السعودية وقطر ـ المسربة في شكل مقالات لصحافيين مقربين من بوتين ـ مأخذ الجد واعتبارها صادرة عن بوتين نفسه.

http://www.alhayat.com/m/opinion/12403576

والكاتب معه حق بالطبع في حساب هذه الآراء على بوتين، الذي بعث برسائل أقوى من المقالات الصحافية، تمثلت في إطلاق الصواريخ على سورية من بحر قزوين واستخدام المقاتلات الاستراتيجية، في رسالة واضحة لتأكيد مدى طول اليد الروسية.

لكن خاشقجي ذهب بعيدًا في تصوره لطبيعة هذه التهديدات؛ وفي استحضار شخصية القذافي وهو يتحدث عن بوتين. صحيح الرجل تمكن من إشاعة حنين الروس إلى المجد في خلطة من النزوع الإمبراطوري والسوفيتي، لكنه ليس موتورًا ويتحرك بحسابات. ورغم أنه بدأ بالحليف الأقوى لأمريكا (تركيا العضو بالناتو) مما يجعل الخليج تحصيل حاصل، إلا أن إجراءاته ضد تركيا لم تصل إلى إعلان الحرب أو قصف أهداف داخلها، مقتصرًا على العقوبات وردع الرعب من خلال وضع تركيا على حافة انتظار الخطوة المجهولة التالية.

يعرف بوتين أنه أنهى في نوفمبرنا هذا الحقبة الأمريكية التي بدأت في نوفمبر آخر (عام 1989 ) بانهيار سور برلين، لكن لن يصل به الأمر إلى تنفيذ غارات ضد أهداف في السعودية أو قطر، لكنه يستطيع العودة إلى الطريقة التي جربها في اغتيال الرئيس الشيشاني بالدوحة عام 2000.

الجديد كذلك في مقال خاشقجي أنه يقترح تقديم تنازلات سعودية في الملف السوري، للقاء بوتين في المنتصف، لكن لا أحد يضمن أن يكون هذا الطرح مقبولاً، ويبدو أن بوتين يتجه إلى ما سبق وأن تنبأت به في هذه المدونة عشية إسقاط الطائرة الروسية تحت عنوان “هل من خروج آمن للخليج من مستنقع الربيع العربي؟”.

وأعيد التأكيد في هذه اللحظة على أن الأمور تتجه نحو انفراد روسي بالحل في سورية سيُفضي في أعلى الاحتمالات إلى تمكين الأسد دون تفاوض وفي أدناها على تمكين نظامه بعد مفاوضات شكلية مع جماعات معارضة سياسية لم تحمل السلاح، يتم استيعاب بعض عناصرها كوزراء يبتلعهم النظام سريعًا  داخل معدته القوية.

على أن ما يطرحه خاشقجي من تنازلات سعودية في الملف السوري هو اقتراح تكتيكي بشأن قضية واحدة، لكن السؤال يجب أن يصل إلى مدى أبعد ليشمل مستقبل الإقليم، وإمكانية الخروج الآمن للخليج من صدارة المشهد.

إذا سلمنا بنهاية الحقبة الأمريكية (وأتحدث هنا عن نهاية الانفراد الأمريكي لا عن انهيار الولايات المتحدة) فلابد بالمنطق أن تنتهي الحقبة الخليجية في صناعة القرار بالإقليم، وهي حقبة جاءت بالخسارة على المواطن الخليجي، في شكل تدن لمستوى الخدمات التي يستحقها كمشارك في ثروة بلاده، بدلاً من إنفاق الأموال هنا وهناك.

وقد دفعت الظروف الخليج دفعًا للتقدم لسد غياب المثلث الفاعل (مصر ـ العراق ـ سورية) لكن بعض الأطراف أسعدها هذا الغياب وعملت على استمراره منتشية بحج الوفود إلى عواصمها وكانت صدارة المشهد لقطر والسعودية، بينما استمرت أطراف خليجية أخرى على تحفظها وحذرها القديم وأبرزها بالطبع “عُمان” التي تبدو وكأن خبر الربيع العربي لم يصلها!

الآن لم يعد هناك مفر من بناء نظام عربي جديد متضامن قدر الإمكان وينسجم مع منطق الأمور، بحيث تتقدم الدول ذات الثقل الحضاري والبشري لصدارة المشهد الإقليمي لمصلحة جميع الأطراف العربية، وبمساعدة الأطراف الخليجية، فلا يمكن لمصر أن تتقدم للقيادة، بينما تحتفظ السعودية وقطر بعلاقات تحالف مع تركيا المنافس الإقليمي لمصر.

ولاشك أن مصر في هذه اللحظة غير مؤهلة لاقتناص دورها دون مساعدة مخلصة من الخليج تنظر للبعيد وتقرأ التحولات بواقعية أكبر.

السيولة الخطرة بالداخل المصري تعيق تقدم مصر لاستعادة دورها الخارجي حتى اللحظة، حيث لم يحسم الحكم موقفه الاقتصادي بينما يبدو حاسمًا ضد الحريات مما يضعف جبهته الداخلية، وإلى أن تعثر مصر على انسجامها الداخلي، ينبغي أن تكف الأطراف الخليجية عن العبث بالجبهة المصرية، والضغط على صانع القرار فيها؛ لأن ضعف مصر لم يكن في مصلحة الخليج، والآن أصبحت هذه الحقيقة أكثر وضوحًا.