بصرف النظر عن الحقيقة والحق.. مأزق نظام لا يعرف كيف يحكي حكاية!

قصة مقنعة
قصة مقنعة

الليلة، كنت أشاهد تقريرًا على قناة RT الروسية عن أسرة عراقية حصلت على حق اللجوء في السويد، وجاء في تعليق المراسلة عَرَضًا أن هذه الأسرة حصلت على اللجوء “لأنها عرفت كيف تجعل قصتها مقبولة أمام سلطات الهجرة”!

تفتح الجملة، التي قد تكون غير مقصودة المعنى في أكثر عدة اتجاهات، منها أن تكون الأسرة صادقة ودعمت حقها في اللجوء بقدرتها الحكي، أو أن تكون الأسرة غير صادقة، لكنها قدمت حكاية متماسكة، أو أن تكون الأسرة حصلت على اللجوء لأن حكايتها مقنعة بصرف النظر عن الصدق من عدمه، وربما تشير محررة التقرير إلى أن هناك مهاجرين لديهم تجارب مؤلمة ولم يحصلوا على اللجوء لقلة مهارتهم في  الحكي.

لم تكن تلك الجملة العابرة في التليفزيون ـ الذي أشاهده في لحظات انعدام القدرة على التأمل ـ أن تثير اهتمامي، لولا أنني أراقب الأحداث وأفكر منذ مدة في أهمية أن تحكي حكاية بطريقة جيدة.

يكفي أن نتأمل واقعتي مقتل جوليو ريجيني والتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية لكي نعرف أن كتابة القصص بطريقة سيئة قد يساوي  القتل وقد يكون الوجه الآخر للفشل.

جوليو ريجيني..القصة السيئة تشبه القتل
جوليو ريجيني..القصة السيئة تشبه القتل

في الحالة الأولى نحن أمام مصرع شاب تم العثور على جثمانه المعذب في غياب لحقيقة ماحدث. أثارت الجريمة قرف الدنيا واستنفرت إيطاليا والاتحاد الأوروبي، وبصرف النظر عن الحقيقة، فإن الحكومات تقيس مصالحها، وتركب موجة الرأي العام حتى يهدأ ثم تكف عن طلب الحقيقة مراعاة للمصالح، لكن السلطة في مصر لم تمنح حكومة إيطاليا فرصة هذه السكينة التي تلزمها لأخذ مواطنيها إلى النسيان، عندما ألفّت قصة غير مقنعة عن عصابة متخصصة في خطف السائحين (ولنا أن نلاحظ أن هذا البيان صدر عن دولة تستجدي السياح ليأتوا إلى القاهرة وتنظم رحلة لملكات جمال العالم من أجل تنشيط السياحة)!

رد الفعل على الحكاية تساوى مع رد الفعل على واقعة القتل نفسها، وأصبح لدى الجانب الإيطالي مطلبان لا مطلب واحد: القصاص للقتيل والاعتذار عن الاستهانة بذكاء السلطة الإيطالية!

وفي الحالة الثانية نحن بصدد اتفاق بين دولتين على تنازل إحداهما عن جزيرتين للأخرى. وبصرف النظر عن الحق في الجزيرتين، فإن القصة غير المقنعة هي التي أتت برد الفعل الذي رأيناه: أخبار عن مفاوضات لم يسمع بها أحد، وتزامن التنازل مع توقيع اتفاقات اقتصادية فيها المنح والقروض. المقام والظرف هما اللذان أثارا الغضب؛ فلا أحد من الذين عبروا عن غضبهم كتابة أو تظاهرًا يمتلك الوثائق، لكنه يمتلك في الحقيقة قصة غير مقبولة.