لقاءات الرؤساء و”المثقفين”..فوضى الأدوار والمفاهيم

لقاء مبارك و"المثقفين" أكتوبر 2010
لقاء مبارك و”المثقفين” أكتوبر 2010

تريثت قبل كتابة هذا المقال، حتى يهدأ الكلام حول لقاء الرئيس الأخير بـ “المثقفين” حسب التسمية الدارجة المريحة التي تجمع أخلاطًا من المتعلمين بينهم الصحفي وكاتب الرواية والسيناريست والشاعر.

لأنني لم أقصد الكتابة عن ذلك اللقاء بالذات، كان لابد أن أنتظر حتى يفرغ من حضروا اللقاء من تعليقاتهم، سواء من عبروا عن آمال ليست في محلها؛ لأنهم لا يرون معطيات اللحظة جيدًا، أو من أبدوا إحباطًا في غير محله؛ لأنهم لم يقرأوا نتائج اللقاءات المماثلة جيدًا.

لم أشأ كذلك أن يختلط حديثي هذا مع اشتعال صحافة المواطن على مواقع التواصل، اعتراضًا على أسماء الحضور الدائمين في لقاءات الرؤساء، لأن عدم حضور لميس جابر لقاء مبارك لا يجعلها أفضل مما هي، ودأب جابر عصفور، على لقاء الرؤساء، منذ لقائه بالسادات في شبابه الباكر لا يجعله أفضل أو أسوأ مما هو.

صورة الإنسان ـ ولا أقول المثقف ـ تتحدد بناء على سيرته وتاريخه الذي يبنيه يومًا بعد يوم، لا يُغني فضل سابق عن إساءة لاحقة، بينما العكس قد ينفع. إذ يمكن للإنسان أن ينضج فكريًا وإنسانيًا فيُقبل هذا النضوج منه.

وإذا كان من يمارسون الكتابة يبغون التغيير؛ فلا غضاضة من أن يلتقوا بالمسئول الأول عن الدولة. وإن كان من حق الجمهور أن يلاحظ حقيقة أن معظم الضيوف هم أنفسهم في كل الحقب، وأن يتساءل: هل هذا الثبات يعني أن طبيعة الحكم لم يتغير أم أن الضيف هو الذي يتغير ويدور مع النور كالوردة الأُلعبان “عبّاد الشمس”؟ هل يأمل الطرفان في نتائج عملية أم أن الأمر يتعلق بـ “صورة” يستهدفها كل طرف؟

لقاء السيسي و"المثقفين" مارس 2016
لقاء السيسي و”المثقفين” مارس 2016

بعيدًا عن كل هذا؛ فإن أهم ما تمثله هذه اللقاءات هو كشفها عن فوضى الأدوار والمفاهيم التي يجب أن تثير القلق.

استدعاء “المثقفين” وتكليفهم بتشكيل لجان يعني غياب دور البرلمان، ودور الحكومة. والرئيس يعلم أن مصر كانت تستحق برلمانًا أفضل، وأن ذلك كان ممكنًا لو رفعت الجهات الأمنية يديها عن العملية الانتخابية، وأن تصحير البيئة السياسية، هو الذي منع وجود حزب يمثل الأغلبية ويشكل وزارة تنفذ ما يخدم الأغلبية التي اختارها البرلمان.

وبفرض أن هذا هو الواقع؛ فمعظم حاضري اللقاء آراؤهم منشورة ومذاعة، مع آراء كثيرين لا يمكن أن يشملهم لقاء، وبوسع مؤسسة الرئاسة أن تضع أمام الرئيس تقريرًا بالقضايا الأكثر تكرارًا في الكتابات والأحاديث، وبوسعه أن يقرأ هذا التقرير في الوقت المناسب أو يتابع المصادر بنفسه، دون أن يضطر إلى تحديد موعد والجلوس ثلاث ساعات للاستماع إلى فضفضات عفو الخاصر.

يبقى أخيرًا مفهوم “المثقف” الذي يتم استخدامه باستسهال يستوجب استتباعه بلفظ الاعتذار: “لا مؤاخذة”!

هناك إفراط مصري في انتحال هذه الصفة التي تكاد تكون صفة حصرية للمفكرين والأدباء الفرنسيين دون غيرهم، بفضل فلاسفة وكتاب من أمثال فولتير وإميل زولا وجان بول سارتر، الذين تجاوزوا مرحلة “إنتاج الأفكار” إلى تبني المواقف العملية الشجاعة، لا تحركهم إلا فكرة العدالة التي لا يمكن للمؤمن بها أن يقف في الجانب الخطأ.

بالطبع، هذا النموذج موجود بصور فردية  في بلاد أخرى وفي تاريخنا الثقافي شخصيات تمتعت بهذه الصفات، لكن ذلك لا يشكل قاعدة تبرر استخدام تعبير مثقف صفة لمزاول الكتابة. والبلاد التي تحترم المفاهيم، تعترف بالخصوصية الفرنسية لمفهوم “المثقف”. ويروي باسكال بونيفاس في كتابه “المثقفون المزيفون..النصر الإعلامي لخبراء الكذب”* واقعة تتعلق بفرانسوا متيران عندما لبى دعوة من تاتشر في بداية حكمه، وطلب أن يلتقي بعدد من مثقفي بريطانيا، فأجابه موظفو 10 داوننج ستريت بأنهم ربما يجدون له كتابًا أو مؤرخين أو فلاسفة، أو باحثين، ولكن ليس مثقفين.

صارح موظفو المراسم الإنجليز متيران بالحقيقة: “كُتابنا ينتجون أفكارًا وليسوا مناضلين” وكان بوسعهم أن يغشوه ويدسوا عليه عددًا من “المثقفين” .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* باسكال بونيفاس “المثقفون المزيفون” ترجمة روز مخلوف ـ دار وردـ دمشق 2013.