قصة اضمحلال العقيدة المصرية

لحظة المقامرة، وبعدها ظلام الموت أو إشراقة الثروة
لحظة المقامرة، وبعدها ظلام الموت أو إشراقة الثروة

عندما وصل القائد المصري سنوحي إلى دمياط عائدًا من حملة لتأديب الليبيين سمع بموت مليكه وتولي ابنه زمام الحكم؛ فما كان من قائد الجيش، الذي يعرف أن الفرعون الجديد لا يحبه، إلا أن هرب إلى سورية وسط حاشية صغيرة من قواده، وهناك عاش وتزوج ابنة الملك الفينيقي. وعندما أحس باقتراب الأجل كتب إلى الفرعون يستعطفه طالبًا السماح له بالعودة كي يموت ويدفن في مصر.

وكان الفرعون كريمًا في مسامحته والترحيب بعودته كي تحيا روحه ويجد جسده التكريم بالعطور والدهون والكفن الناعم من الكتان بدلاً من أن يتركه ليكفنه الآسيويون في جلد شاة!

القصة من أقدم وأعذب نصوص السرد القصصي في الحضارات المختلفة، وتكشف عن علاقة المصريين بأرضهم وبالحياة والموت. كان التصور أن نهر النيل ينبع من الجنة، وأن ضفته الشرقية للحياة الأولى والغربية لحياة الخلود، وبالتالي فلا بعث ولا خلود لمن يموت خارج مصر.

وظل المصريون ألصق شعوب العالم بأرضهم، لا يغادرونها إلا عندما تكون هناك حاجة ماسة،  ولابد أن يكون ذلك بشكل مؤقت لرد هجوم الهكسوس من الشرق أو رد غارات القبائل الليبية من الغرب أو التجارة مع لبنان في الشمال وبلاد بونت في الجنوب. وظلت هذه علاقة المصريين بالعالم من حولهم، منذ الفراعنة إلى اليوم. وحتى بعد أن اضطر المصريون إلى التخلي عن عقيدتهم القديمة وبدأوا بالسفر؛ فإنهم يحسبون غربتهم بالليالي. ويحاول المصري ضغط نفقاته في الغربة كي يدخر ما خطط لادخاره ويعود إلى مصر من جديد.

في العصر الحديث أقام الألباني محمد علي الذي حكم مصر من 1805 إلى 1848 النهضة المصرية على نقل خبرات الغرب، وتحديدًا فرنسا حيث أرسل البعثات التعليمية. واستمر هذا التقليد في الاتصال بالغرب بأقل القليل من الصفوة المتعلمة ، أما عن العلاقة مع الجيران فقد استمرت حالة من الاكتفاء بـ “الأمة المصرية” عن المحيط العربي حتى أربعينيات القرن العشرين عندما بدأ الشعور القومي يتبلور مع كل موجة يهود مهاجرة إلى فلسطين، ثم كانت هزيمة الفرقة المصرية في الحرب ضد العصابات اليهودية وإعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 السبب الأساسي وراء قيام ثورة يوليو.

وقد تبنى جمال عبدالناصر زعامة الأمة العربية وقيادة حركة تحررها بالمساعدات العسكرية المباشرة وبناء دولها الحديثة بخبرات المهندسين والقضاة والأطباء والمعلمين المصريين، وكان المصري المعار إلى الدول العربية الفقيرة يتقاضى راتبه من الخزانة المصرية. وكان تصور العرب عن المصريين أنهم شعب من القضاة والصحفيين والمعلمين والأطباء وممثلي السينما، وقد روى لي أحد المعمرين في إمارة خليجية أنه كان أول من استقدم سباكًا مصريًا، وقضى ليلة وصوله بلا نوم فضولاً لرؤية السباك المصري وكيف يكون!

الفخامة المشوشة، تمثال الحلم الإيطالي في القرية المصرية
الفخامة المشوشة، تمثال الحلم الإيطالي في القرية المصرية

لم يعرف المصريون الهجرة إلى الغرب بقصد الإقامة الدائمة وبالكثافة التي نزح بها اللبنانيون منذ القرن الثامن عشر. العدد النادر من المصريين الذين يمكن أن نطلق عليهم صفة “مهاجر” كانوا يسافرون وفي نيتهم العودة، لكنهم يقررون الاستمرار في العيش بالخارج، عندما يستريح المسافر إلى البلد المضيف عامًا بعد عام أو عندما يفكر بطموحه العلمي الذي لن يستطيع مواصلته في مصر، مثل بعض دارسي الدكتوراة الذين تفوق معرفتهم إمكانية البيروقراطية المصرية على الاستفادة منها.

وعلى الرغم من الأسباب المختلفة لعدم حصول الملياردير المصري محمد الفايد صاحب محلات هارودز الشهيرة بلندن على الجنسية البريطانية حتى الآن؛ فإنها مصادفة لا تخلو من دلالة أن يبقى واحد من أقدم المهاجرين المصريين ملتصقًا بمصريته. حتى ظاهرة هجرة الأقباط إلى الولايات المتحدة والتي بدأت بكثافة مضطردة مع تصاعد مد الإسلام السياسي لم تقدهم إلى الذوبان، لكنهم صاروا قوة معنية بأوضاع مصر أكثر مما تعنى أية جالية أمريكية بأوضاع الوطن الذي هاجرت منه.

 

باختصار؛ كان سفر المصريين نادرًا ومرتبطًا بتكليف من الحكومة، حتى أطلق السادات سياسة الانفتاح الاقتصادي في أواسط السبعينيات متزامنة مع انفتاح سياسي على أمريكا والسعودية ودول الخليج العربي وكذلك الصلح مع إسرائيل.

وكان من نتائج هذ الانفتاح تصاعد النزعة الاستهلاكية لدى المصريين بما يفوق قدرة الأنشطة التقليدية على تلبية هذه النزعة، وفي الوقت نفسه كانت النتيجة الاقتصادية التي تمخضت عنها حرب أكتوبر مع إسرائيل قد بدأت في التبلور، حيث تضاعفت أسعار البترول وزادت حاجة الدول البترولية للعمالة، وقد شملت موجة الرخاء بلادًا غير بترولية مثل الأردن، التي انتعشت فيها صناعة الخدمات وحركة البناء من أموال الفلسطينيين العاملين بالخليج وقيادات التنظيمات، وقد شجعهم الاتجاه للسلام في المنطقة على تأسيس بيوت لقضاء العطلات والتقاعد فيها عندما يفقدون أعمالهم بالخليج أو يتقاعدون عن النضال.

في تلك الحقبة بدأت أول حركة اغتراب للمصريين على نطاق واسع؛ حيث يتوجه المهنيون بعقود عمل مبرمة سلفًا إلى دول الخليج التي تحب تنويع مصادر العمالة بها وتدبر حاجتها من العمالة البسيطة من البلاد الآسيوية المختلفة من أجل تحقيق التنوع الديموجرافي بحيث لا تكون هناك جالية أكبر عددًا من عدد المواطنين وكذلك لرخص العمالة الآسيوية عن مثيلتها المصرية. ولم يكن أمام العمالة المصرية الماهرة وغير الماهرة سوى اختيار واحدة من ثلاث دول هي ليبيا (الجارة من الغرب) والأردن (الجارة من الشرق) والعراق، حيث يمكن السفر من دون تأشيرة للدول الثلاث، بل إن ليبيا كانت تسمح للمصريين في نوبات الحماس القومي لدى العقيد القذافي بالسفر بالبطاقة الشخصية!The shame from the two banks

بين الدول الثلاث كان الأردن الأقل وعدًا لكنه الأكثر أمنًا على الأرواح والأموال، في الوقت الذي يمكن أن تتعرض الدنانير القليلة التي يكسبها المصري في ليبيا إلى المصادرة أو التبدد نتيجة واحدة من المبادرات المفاجئة للعقيد التي تراوحت بين الإيمان المطلق بالعروبة والكفر المفاجيء بها، إضافة إلى المبادرات الاقتصادية بتخفيض سعر الصرف أو إلغاء التعامل على الدولار أو حتى إلغاء العملة والعودة إلى نظام التبادل السلعي!

وفي العراق ـ كما في ليبيا ـ كانت حرية التحويلات المالية مقيدة بمبالغ زهيدة، بالإضافة إلى أن  الترحيب السياسي من صدام حسين لا يتناسب مع الضيق الشعبي المكتوم بالمصريين والفلسطينيين المحميين من الدكتاتور. وكانت ذروة الخطر في الفترة التي أعقبت حرب الخليج الأولى مع إيران، وقد ظلت “النعوش الطائرة” تتوالى فيما يشبه الجسر الجوي من بغداد الى القاهرة عام 1988 ظاهرة غامضة، وقابلة لكل التفسيرات الاجتماعية والاقتصادية، بما فيها التفسير الجنسي؛ حيث فسر البعض الظاهرة بانتقام الرجال العراقيين العائدين من الحرب من المصريين بعد أن تركوهم في المجتمع مع نسائهم أثناء الغياب على جبهة القتال.

وبصرف النظر عن غموض دوافع الجريمة في العراق كان هناك تفسير وحيد للصمت الرسمي المصري على نتائجها وعدم الاكتراث بها؛ فقد أدرك المصريون أن كرامتهم وحياتهم لم تعد من بين أولويات النظام.

 

ومن دون حاجة إلى توجيه رسمي أو حذر شعبي من السفر إلى بغداد، سرعان ما تحول العراق إلى منطقة كوارث وأغلق معه طريق الخليج كله؛ لأن السلام المفاجيء مع إيران لم يسفر عن تحسن في أوضاع المنطقة.

بعد استراحة قصيرة للمحارب أقدم صدام حسين على غزو الكويت وصار البلدان منطقة حرب تمد ظلالها على الخليج سواء من حيث الخطر المباشر أو بسبب تراجع الطلب الخليجي على العمالة المصرية؛ لأن دول الخليج دفعت تكاليف الحرب، مما أدى إلى تراجع طلبها على العمالة بشكل عام، بالإضافة إلى نشوء موقف غير معلن ضد العمالة المصرية بوجه خاص بسبب تراجع مكانة مصر السياسية وتآكل رأسمالها الرمزي بموقف نظامها من الحرب ضد العراق، على الرغم من أن الأنظمة الخليجية كان لها الموقف ذاته من الحرب، لكن هذا التناقض بين الوقوف في المكان الذي تحدده أمريكا وبين الحزن على مصير العراق كان موجودًا دائمًا في الأوساط السياسية الخليجية، كما أن بعض أصحاب الأعمال الخليجيين لا يزالون يحملون عاطفة نحو العروبة التي حلم بها عبدالناصر ذات يوم ويريدون عقاب مصر على موقف نظامها وهي الدولة الأكبر والقادرة على رفع صوتها.

غلاف الطبعة الإيطالية من العار
غلاف الطبعة الإيطالية من العار

في مرحلة تالية من الحرب في الخليج، بدأ المهنيون العراقيون الفارون من الحصار ثم الغزو الأمريكي ينافسون المصريين على الوظائف، وكان المنطق الإنساني في صالحهم؛ فتضاءلت فرص المصريين أكثر فأكثر.

وبدلاً من أن تواجه الحكومة المصرية هذه الأوضاع الجديدة بالسعي لتوفير فرص عمل بالداخل من خلال تحديث بنيتها الصناعية الضخمة شرعت في بيع المصانع والشركات فيما عُرف بسياسة الخصخصة التي بدأت على استحياء في تسعينيات القرن العشرين وتسارعت في بداية الألفية الثالثة.

تخلت الدولة صراحة عن تعيين الخريجين في وظائف حكومية تصفها الصحف بـ “البطالة المقنّعة” تأكيدًا على صواب مساعي الخصخصة وتحكيم قيم السوق. ولم يكن أمام المصريين الذين صاروا محكومين بالاغتراب إلا التطلع شمالاً، نحو شركاء المتوسط. بدأت محاولات السعي للسفر إلى مختلف الدول: فرنسا، اليونان، إسبانيا، ألمانيا، النمسا، وحتى البلاد الاسكندنافية، لكن سرعان ما أوصدت أبواب هذه الدول بوجه المسافرين المصريين وبقي باب إيطاليا مواربًا وواعدًا، ليس لقرب المسافة فقط، بل لاختلاف القوانين وطرق تطبيقها في إيطاليا عن جاراتها.

وسواء تعلق الأمر بطول الشواطيء الإيطالية أو بالرحابة الإدارية أو تواطؤات الفساد لحاجة مجتمع الأعمال الإيطالي إلى العمالة “السوداء” الرخيصة أو إلى طبيعة روح الخفة الإيطالية التي تتعامل مع الحياة بوصفها لعبًا؛ فقد كانت النتيجة واحدة وهي أن القبضة الإيطالية هي الأقل تشددًا في أوروبا، وهكذا تصاعد الحلم الإيطالي في القرى المصرية بجموح فاق أي جنون عرفه التاريخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

من “العار من الضفتين”