تيران وصنافير..نهاية اللعبة

سواء كان الجشع وراء إلحاح السعودية على اقتناص جزيرتي تيران وصنافير من مصر، أو كان سعيها إلى ملكية الجزيرتين مدخلا لتسويغ انضمام المملكة  لمعاهدة كامب ديفيد،  فالقضية من خلال وقائع التقارب والتباعد، منح ومنع المساعدات،  تبدو كأنها صفقة (أرض مقابل الغذاء).

هذا يعني أن الحكم السعودي الحالي  لا يعرف أو ربما يستهين بأهمية ما تحصل عليه السعودية من مصر، منذ وفاة جمال عبدالناصر وتحول العداء السافر إلى صداقة مع السادات ثم مبارك، وأخيرا السيسي،  باستثناء فترة الجفوة  مع السادات بعد توقيعه كامب ديفيد، وعلى أية حال لم تكن المقاطعة   موقف اليمين السعودي والخليجي، لكنه  ذهب لها مجبرا، خوفا من صدام والأسد.

يعرف النظام السعودي أن تركيبته كحكم غير دستوري لا تحتمل ديكتاتورية قومية قوية على حدوده، ولا تحتمل أكثر حكما ديمقراطيا.  وقد فتحت السعودية خزائنها حتى تحققت هزيمة عبدالناصر في اليمن، ولم يجد ملوك السعودية بعد ذلك أية صعوبة في مواصلة العدوان  من خلال رفع لافتة الصداقة فوق أموال التخريب ذاتها.

كوفيء السادات على شق الصف، وعلى الانفتاح الاقتصادي الذي هز المجتمع المصري، رافعا السماسرة فوق العلماء والمعلمين، وكافأوا مبارك على تعميقه هذا المسار إلى الحد الذي أوقع مصر بين يدي الرأسمالية المتوحشة الفاسدة .  وكوفيء الاثنان  على ضرب فرص  الديمقراطية من خلال التلاعب بالأحزاب، المستمر حتى اليوم،.

بدون المعونات السعودية الخليجية لا بديل عن النجاح لسد احتياجات شعب ضخم العدد كالشعب المصري، ولابديل عن رشاد القرار، ولا بديل عن إطلاق امكانيات هذا الشعب في الابتكار وفي حكم نفسه. ولم يكن لرجل بليد كمبارك أن يستمر ثلاثين عاما إلا في وجود المساعدات، التي يمكن أن نسميها باطمئنان (حوافز الفشل).

دفعوا للنظام المصري ثمن تقويضه لإمكانيات مصر من خلال تقويض اقتصادها الصغير الحقيقي والدفع بالاقتصاد الريعي الذي يشبه الاقتصاد السعودي والخليجي، وتقويضهما لكفاءة الدولة المصرية من خلال استبعادالكفاءات والدفع بالسفلة والتفهة في مواقع القيادة، حتى صارت مصر بهذا الضعف الذي تبدو عليه اليوم.

ولم توفر السعودية ودول الخليج أموالهما، عندما انطلق الربيع العربي وتمكنت من إخراج قطار التغيير السلمي عن مساره، وللحق، فقد كانت المملكة رحيمة بمصر، فبينما ساهمت  الأموال السعودية والخليجية في تحويل ثورات سورية واليمن وليبيا إلى حرب قاسية اكتفت في حالة مصر  بالاستمرار في دفع فاتورة الفشل، للإدارة المصرية،  وكان إفلات مبارك من أية محاكمة عادلة شرطا لضخ المزيد من الاقتصاد في أيدي الفاشلين الذين واصلوا التنكيل بالثورة .

وليس سرا ان وصول السيسي إلى السلطة لم يأت إلا بتطمينات سعودية وتأكيدات للدعم غير المحدود، وقد قام الرجل خلال ثلاث سنوات بما لم يقم به السادات ومبارك في أربعين عاما،.

حدث في مصر خلال السنوات الثلاث ما يثلج قلب السعودية، وكان عليها أن تشكر السيسي على هذا التصحير للمجال العام ومطاردة كل فرصة للديمقراطية في الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، ثم في تشكيل برلمان يبدو مجلس الشورى السعودي راديكاليا بالقياس إليه!

ولكن يبدو ان الملك الطاعن في السن وابنه الشاب لم يقدرا العطايا المعنوية التي حصلت عليها  المملكة وتحتاجها أكثر من حاجتها إلى جزيرتين قاحلتين، وأهم بالطبع من التطبيع مع الاسرائيليين، فعمدا إلى إحراج السيسي ووضعه في مواجهة شعبه..

هذا الخطأ الاستراتيجي من شأنه أن يقصم ظهر الحليف، ويخلق واقعا جديدا في مصر والمنطقة، لن يتيح للسعودية هذا الزهو.