الأسعار..الدولار والجزيرتان..عشوائية خلاّفة أم استراتيجية “من ورا العقل”؟

في أكثر من مناسبة نوه السيسي بصبر الشعب المصري وتحمله في مواجهة “الصعوبات الاقتصادية” طالبا المزيد من الصبر لستة أشهر أخرى.

لكن ما يصلح  في قضية الأسعار، لا ينسحب على قضية أخرى يتوازى انفجارها مع الأسعار هي قضية تيران وصنافير. لا يمكن للسيسي أن يشكر المصريين على صبرهم وتحملهم لموقفه وموقف النظام برمته  من القضية، على الرغم من أنهم تحملوا الموقف حتى الآن، وهذا شيء غريب يجب أن يخضع للدراسة.

المصريون يتمتعون  عند أنفسهم بصورة “شعب ملائكي ذو  تاريخ  ذهبي” تسبغها عليهم أغنيات ترعاها الأنظمة الفاشية،  يستندون في ملائكيتهم إلى تراث فرعوني يقدس أرض مصر، ذات الحدود الأقدم على مستوى العالم، هذا الاحترام للأرض يجعل الأشقاء يتخلون عن ملائكيتهم وعن رابطة الدم بين الأخ وأخيه  ويقتلون بعضهم بعضا عند الميراث. وبسبب من شح الديمقراطية في ظل نظام يوليو، فقد كان الحاكم والجيش يستمدان شرعيتيهما دائمًا من الحفاظ على الأرض.

وكان من الطبيعي أن يتوقع المصريون من قيادتهم أن تدافع عن مصرية الجزر في مواجهة المطالبات السعودية، خصوصا أن الأمر يتعلق بمطالبات شبه ودية بين الدولتين  الشقيقتين، كان على النظام أن يمارس لعبة الجدل ليبدو حريصا على الأرض، ويبرز حق مصر في الأرض، وان ثبت خلاف ذلك يكون قد حاول، إلا أن العكس هو ما حدث، حتى بعد حكم المحكمة الإدارية العليا بمصرية الجزيرتين، نجد بين أذرع النظام ومداساته الإعلامية من يطلب جولة أخرى في المحكمة الدستورية، كل هذا من أجل إهداء الجزيرتين للسعودية المجللة بصمتها الملكي المترفع!

ورغم الاختلاف بين زيادة الاسعار والتنازل عن الأرض، إذ يتعلق انهيار الجنيه بضعف الكفاءة فحسب،

للفنان محمد عمران

يبدو أداء النظام منسجمًا من زاوية واحدة هي تخطي حدود العقل في الإجراءات بدرجة تشل الجمهور وتبقيه صامتا في مواقف كان أقل منها يقوده إلى الثورة.

نعرف هذا السلوك على المستوى الفردي، عندما يتلقى الرجل الشريف كفًا على قفاه في محفل عام فتتوقف قدرته ولا يستطيع رد الإهانة، ويعود حانقا من نفسه.

هذا ما يفعله النظام بالضبط!

انهيار العملة يصحبه عادة مضاعفة للأسعار، وانخفاض القيمة السوقية للمرتبات والمدخرات، وما حدث في مصر جرى في دول أخرى، وإن كان في ظروف هزائم في حروب أو ما شابه، لكن فرض ضريبة إضافية مع هذا الانهيار هو ما لم يحدث من قبل في اي بلد في العالم.

تكميم الأفواه والعصف بإعلاميين ومنابر إعلامية يحدث عاده ترتكبه كل الديكتاتوريات، لكنها تبدأه عادة في أعقاب نصر عسكري أو تزامنا مع نجاحات اقتصادية كبرى تصل ثمارها لأوسع شريحة من الشعب وتجعلها مستعدة لهذه المبادلة بين الخبز والحرية، لكن النظام المصري يفعل ذلك دون ان يكسب حربا أو يملأ بطنا!

ثم يأتي الاجتهاد في إثبات سعودية الجزر والاستمرار في ذلك، على الرغم من الإجراءات العقابية التي اتخذتها السعودية بوقف المساعدات، والتي كانت قواعد العقل، وكرامة الشعب الملائكي ذي الماضي الذهبي تحتم الغضب، والرد المخالف: نجوع ولا نفرط في أرضنا. لكن النظام اختار الابتعاد عن المنطق وتمسك بسياسة (من ورا العقل).

لا أحد يعرف إن كان وراء هذه السياسة عشوائية وعدم فهم، أم أقصى درجات الفهم التي أنتجت استراتيجية  محبوكة تعتمد الحد الأقصى من كل شيء في أداء غرائبي يشل الوعي. لكن مشاول الوعي يسترد وعيه. والرجل الشريف الذي يتلقى الكف فجأة يعود مجروحًا نادمًا ولائمًا نفسه على ارتباكه، ولا يهدأ إلا بعد أن يرد الكف كفين.