مصر وهدم الدولة عمدًا

 

شادي لويس

إن كان صلح وستفاليا، الموقَّع في العام 1648، هو الأساس لمبدأ سيادة الدول الذي يحكم النظام السياسي العالمي إلى اليوم، إلا أن أكثر من ثلاثة قرون ونصف القرن لم تكن كافية لحسم تعريف الدولة ولا سيادتها بشكل نهائي. فالدولة، كونها كياناً غير مادي، ما زالت واحدة من أعقد معضلات العلوم السياسية ومبحث القانون الدولي. فمعاهدات وستفاليا التي أنهت عقوداً من الحروب الدينية في أوروبا، فتحت الطريق لصعود مفهوم الدولة الأمة، على حساب مفهوم الإمبراطورية المقدسة. لكن علمَنة الدولة بفصل الألهي عن الحق في السيادة، لم يكن كافياً لتحريرها من المجرد. فالدولة الأمة ترسخ وجودها وتستدعي شرعيتها عبر توحيد الكيان الجيوسياسي للدولة، أي مؤسساتها الحاكمة وحدودها الجغرافية، بكيانها الثقافي والإثني، أي الأمة. ولا تعود إشكالية تلك المزاوجة إلى مجرد فرضها علاقة قسرية بين المادي والمجرد، بل أيضاً إلى هشاشة تعريفها لطرَفي وحدتها. فالأسس الثقافية والإثنية للأمة تبدو مختلقة بالأساس، بل وفي أحيان كثيرة منتجة لإرادة سياسية، لا العكس، في حين أن سؤال التمثيل، أي علاقة السكان بالمؤسسات الحاكمة، يظل بلا جواب نهائي.

وفي ظل تلك الهشاشة المفاهمية، فإنه من غير المثير للدهشة أن تحتاج الأنظمة الدولية والإقليمية إلى إعادة تعريف الدولة ذات السيادة كل حين وآخر. فعلى سبيل المثال، اجتمعت دول أميركا اللاتينية مع الولايات المتحدة في العام 1933، لإصدار اتفاقية مونتيفيديو، والتي نصت في بندها الأول على تعريف الدولة، بوصفها الشخصية الإعتبارية التي تتوافر فيها شروط ثلاثة: “سكان دائمون، وإقليم محدد، وحكومة قادرة على السيطرة الفعلية على ذلك الإقليم، وعلى تنظيم علاقاتها الخارجية مع الدول الأخرى”. لا تحل نصوص مونننيفيديو إشكاليات تعريف الدولة، لكنها تكشف عن واحدة من أركانها الأكثر جوهرية. فالسكان والإقليم والحكومة، كل على حدة، لا يصنع الدولة، بل إن العلاقة بين الثلاثة، وبين الثلاثة والدول الأخرى هي جوهرها. هكذا، فإن مفهوم الدولة هو مفهوم علائقي، معني بعلاقات السيادة الداخلية والخارجية تحديداً، والتي ربما يمكننا فهمها، أو الإقرار بغموضها الكامل، بالنظر إلى مقولة القانوني الأسترالي، ورئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة سابقاً، هيربرت إيفات: “السيادة ليست سؤال الحقائق، ولا سؤال القانون، بل سؤال لا يطرح على الإطلاق”.

اليوم، يتذرع النظام الحاكم في مصر بحماية الدولة حصراً، لتأطير شرعيته، وكذلك لتبرير فرض الإجراءات القمعية ضد معارضيه. ولا عجب أن يلجأ نظام، يفتقر إلى أي مشروع سياسي أو اقتصادي إجتماعي متماسك، إلى مفهوم تختلط فيه القداسة بالغموض، لترسيخ وجوده. فالتهديد بانهيار سيطرة المؤسسة السياسية على الإقليم أو جموع السكان، والتلويح الدائم بخطر التدخل الخارجي، أي تحلل السيادة داخلياً وخارجياً، يبدو الورقة الوحيدة في يد النظام. لكن الأفدح هو توسل النظام لمفهوم السيادة، لهدم السيادة، ومفهوم الدولة نفسه. ففي يوم الأحد الماضي، وبينما انعقد مجلس النواب المصري لمناقشة الإتفاقية المصرية السعودية المتعلقة بجزيرتي تيران وصنافير، برر رئيس المجلس تجاهله لأحكام القضاء الباتة بمصرية الجزيرتين، بوقوع القرار الخاص بالإتفاقية في دائرة أعمال السيادة. هكذا، فإن رئيس المجلس، الدكتور علي عبد العال المتخصص في القانون، وتحديداً في مجال الدولة والسلطة القضائية، ينفي بوعي كامل ولاية السلطة القضائية على أعمال السيادة، ويخص بها السلطتين التنفيذية والتشريعية، محطماً فكرة الرقابة المتبادلة بين السلطات الثلاث المفترض أنها حاكمة.

ومن جهة أخرى، فإن إصرار النظام الحاكم على تمرير الإتفاقية، في تذرعه بالسيادة، أي الحق في إبرام الاتفاقات الدولية وغيرها، يهدمها على المستوى الداخلي والخارجي معاً. فمن حيث علاقات السيادة الداخلية، أي علاقات الحكومة والإقليم والسكان، فالحكومة تبدو عازمة على التفريط في ما يراه الكثير من السكان، جزءاً أصيلاً من الإقليم، كما في مهمة حماية وحدة أراضيه. وعلى المستوى الخارجي للسيادة، تبدو ملابسات إبرام الإتفاقية أيضاً، أحد تجليات الهيمنة السعودية على القرار المصري، لا في ما يتعلق بسياسته الخارجية فحسب، بل وبأكثر تجليات الدولة مادية، أي تعيين حدودها السياسية والجغرافية.

ومع أن رعونة النظام المصري في التعامل مع ملف الجزيرتين تُنسب إلى وضعه المأزوم اقتصادياً، وحاجته للدعم السياسي والمالي السعودي للبقاء، فإن استراتجيات النظام في تمرير الاتفاقية، والتي كان يمكن إخراجها بشكل أقل مهانة وبمجهود بسيط، لا يمكنها فهمها من منطلق الإضطرار، فهي تبدو متعمّدة أكثر من أي شيء آخر. فمفهوم الدولة التي يدعي النظام حمايتها، يبدو هو نفسه عازماً على تحطيم كافة أركانه، لا لسبب سوى أنها تمثل علاقة متشابكة بين الحكومة والسكان، وبين مؤسسات الحكومة بعضها ببعض، ولا ترغب النخبة الحاكمة في أن تكون طرفاً فيها.

يصرّ النظام عمداً على إهانة مفهوم الدولة، وتدنيس ما يبدو للبعض أقدس أركانها، أي الأرض، ليفرض واقعاً جديداً للسيادة، التي تستمد مبررات وجودها ، لا من السكان ولا الإقليم أو الرقابة المتبادلة بين مؤسسات الحكم، بل تستمد شرعيتها من نفسها. تختزل الدولة في دائرة ضيقة من النخبة العسكرية الحاكمة وتابعيها السياسين، وهذه النخبة تمنح نفسها حقّاً مطلقاً في فرض هيمنتها على السكان والإقليم، في علاقة ذات إتجاه واحد.

يعيدنا تمرير إتفاقية تيران وصنافير، إلى مفهوم الدولة ما قبل وستفاليا، دولة الحاكم ذي الحق الإلهي، ويُلقى في وجوهنا بكل صلف، منطق هيربرت إيفات للأمر الواقع: فالسيادة لا تُساءل ولا يُسأل عنها.

ـــــــ

عن موقع «المدن»

http://www.almodon.com/opinion/2017/6/12/مصر-وهدم-الدولة-عمدا