مقال المصري اليوم: الخوف في جمهورية مصر العصبية!

الموافقة خطفًا

في «كتاب اللاطمأنينة» كتب  شاعر البرتغال فرنادو بيسوا أن اجتياح البرتغال أو احتلالها لا يمكن أن  يصيبه بالخوف الذي يحسه من خطأ في اللغة، وهذه ليست مبالغة شعرية؛ فالأمم التي فقدت لغتها لم تعد كما كانت أبدًا، والاستعمار الذي ترك لغته وراءه لم يرحل.

  ولم يكن زعماء الاستقلال المصريين يعرفون بيسوا الذي ظلت كتاباته سرًا حتى عام ١٩٦٨، وتأخرت ثلاثة عقود أخرى حتى عرفناها في العربية، لكنهم كانوا يرتجلون الخطب بالساعات دون خطأ، كذلك كانت لغة المرافعة أمام المحاكم، وفي الصحافة.

  كان الخطأ عارًا يلحق بصاحبه، فاللغة السليمة تميز الوطني من المحتل، وهي أحد ركائز الهوية التي تبرر المطالبة بالاستقلال. الأخطر من هذا أننا نفكر ونحس عبر اللغة، وعندما تتشوه لغة شعب تتبلبل الأفكار وتختلط المشاعر، إذ لا يصبح هناك معنى واحدًا لكلمات  تميز البشر من غيرهم كالكرامة والشرف، وتصبح الوطنية والخيانة وجهة نظر.

  وقد بدأت لغتنا في الانحدار بعد أن رحلت قوات الاستعمار. بدأنا نستقبل الخطأ دون رعب، ثم دون تأفف، ونرتكبه دون حياء، حتى وصلنا إلى هذا الدرك، إذ صار الجهل باللغة  شرطًا لتولي الوظائف الكبرى، فصرنا نسمع ونقرأ ما يندى له الجبين في محاضرات جامعية ومرافعات أمام المحاكم، وخطب في البرلمان ومقالات في الصحف.

صارت مصر، برج بابل متبلبل اللسان. لم يعد أحد يفهم أحدًا، ولم يعد من يرتكب عارًا يشعر به. يتجلى ذلك كل يوم، لكنه يتجلى أكثر في أوقات المحن.

  محنة تيران تحتاج إلى  دراسة لغوية مجتهدة، لكي ندرك قدر البلبلة الذي أصابنا، وكي نعرف حجم ما يتهددنا من خطر يسببه المشي البطَّال للغة. لم تعد كلمات مثل «العار» و«الخيانة» تذهب إلى مكان واحد يتفق عليه المصريون كافة، ولم تعد الوطنية تعرف الضفة التي يجب أن تستقر عليها.

   مدهش أن تسمع المستميتين في إزاحة الجزر نحو السعودية، يصفون المدافعين عن مصريتها بـ «الخونة» وغير الوطنيين. بالاحتكام إلى اللغة قبل أن تتعرض للاغتصاب، يُدعى وطنيًا من يحافظ على إقليم وطنه، حتى من يتمسك بأراض تحتلها دولته. يمكن بالطبع أن يُسمى شيئًا آخر: عديم التربية مثلاً، لم تعلمه أمه القناعة، لكن ليس عديم الوطنية؛ فهذه صفة المفرطين.

لا يمكن أن نجد في أدبيات الفرنسيين اتهامًا بعدم الوطنية لمن كانوا يتمسكون بأن الجزائر جزء أبدي من فرنسا، ولن تجد عند الإنجليز من يصف تاتشر بعدم الوطنية لأنها جردت حملة عسكرية للحفاظ على سيادة بريطانيا على جزر الفوكلاند، ولن تجد تخوينًا لأي من رؤساء وزارات بريطانيا المتتابعين لأنهم يتمسكون بجبل طارق.

البلبلة المسربة من داخل البرلمان والعلنية في الميديا مخيفة، تهم الخيانة تنطلق من فم لا يستحي كي تصيب جبينًا لا يستحق، وقد أضاف رئيس البرلمان زلل اللهوجة في مشهد الختام  بـ «إعلان الموافقة على ترسيم الحدود بين جمهورية مصر العربية والمملكة العصبية».

في الحقيقة العصبية عندنا نحن، في الجمهورية التي تتقاذفها خطايا اللغة والمواقف، لنعرف أن خوف بيسوا في محله، وأن اغتصاب اللغة هو المقدمة الأولى لاغتصاب الوطن.

ــــــــــــ

لحظة الاختطاف