موقعة الوراق والتصور الخطر لمعنى الدولة

 تكشف مواجهة الأحد بين الشرطة وأهالي جزيرة الوراق شمال الجيزة عن عدد من الدلالات التي تتعلق بكفاءة جهاز الدولة أولاً وبفكرة العدالة وبمعنى الدولة كما يبدو من سلوك هذه الإدارة.

  حسب المنشور عن الجزيرة، فإن مساحتها تبلغ ١٤٠٠ فدانًا أو ١٦٠٠ حيث تتباين التقارير في هذا الشأن، بينما تملك جهات حكومية كالأوقاف مساحة تدور حول الثلاثين فدانًا، وإلى جانب السكن العشوائي، يوجد اعتراف ضمني من الدولة بوجود السكان، من خلال وجود منشآت خدمية كالبريد والمدارس والكهرباء، كما هو الحال في العديد من المناطق العشوائية التي تصلها المرافق تحت ضغط الأمر الواقع.

   وفي ظل هذا الواقع قامت الحملة الحكومية المفاجئة لهدم المنازل على الجزيرة، دون إنذار مسبق للسكان ودون إعلام مسبق لباقي الشعب المصري عن طبيعة هذه الحملة وحدودها: هل هي لاسترداد الملكية الحكومية من المعتدين عليها أم هي بداية لعملية إخلاء شاملة؟ وبالمقابل ليست هناك معلومات مؤكدة عن الاستخدام البديل لأرض الجزيرة بعد الإخلاء.

  ورغم هذا الغموض فإن هناك بعض الشواهد والمقدمات التي تكشف عن طبيعة الحملة الأمنية التي أسفرت عن المواجهة العنيفة على أرض الجزيرة:

ـ أول الشواهد أن هذه الحملة تأتي في إطار خطة استرداد أراضي الدولة من واضعي اليد.

ـ سبقها إشارة رئيس الجمهورية للجزيرة مع حجب اسمها في لقاء الشهر الماضي، وقد تضمنت الإشارة التأكيد على حق الدولة في الأرض، واستنكار الصرف على النيل. مع العلم بأن هذه النقطة مردود عليها بأن منع الصرف على النيل وإقامة محطة صرف هو من صميم عمل الدولة.

ـ تبع هذه الإشارة قرار لمجلس الوزراء بإسقاط صفة المحمية الطبيعية للجزيرة مع جزر نيلية أخرى.

ـ أثناء الأزمة ظهرت على وسائل التواصل ماكيتات لمشروع استثماري على الجزيرة، وبينما بدأت سخرية مغردي تويتر بتوقع ظهور خرائط تثبت ملكية الإمارات لجزيرة الوراق، تردد أن الماكيتات المتداولة وضعتها شركة استثمار عقاري إماراتية!

  هذه الشواهد، وسرعة وفجائية التنفيذ، تضع الوراق ضمن حملة استرداد أراضي الدولة بكل ما صاحبها من مظاهر استخدام القوة في التنفيذ والالتزام بتوجيه رئاسي عام يتعلق بتقليل الزمن المطلوب لكل إنجاز، وهذا يمنع مناقشة جدوى الإضافة والبناء في حالة إقامة المشروعات المكلفة كما يمنع مناقشة مبدأ العدالة والاستحقاق عند الهدم.

 والجدير بالملاحظة في حملة استرداد الأراضي أنها تأتي دون إلغاء قانون وضع اليد الذي يجعل استقرار الإقامة على أرض ١٥ عامًا مسوغًا كافيًا للملكية (لو طبق هذا المبدأ على تيران وصنافير لحق بقاء مصر فيها دون حتى البحث عن وثائق). كما يلاحظ الجميع أن مبدأ الاسترداد لم يشمل المليارديرات الكبار، بل يركز على واضعي اليد الصغار، وربما أن غياب العدالة في التنفيذ هو الذي ساهم في غض الطرف عن فكرة العدالة في خطاب الدولة عن الأرض المستعادة، والتركيز على قيمتها والحصيلة المالية، وهذا مفهوم خطر لمعنى الدولة ودورها، إذ يجب أن تكون عادلة بين مواطنيها، وتطبق القانون على الجميع، بصرف النظر عن الحصيلة المالية أو تكلفة إقامة القانون.

من جهة أخرى يشترك سكان الوراق مع النوادي المهنية والشرطية المنشرة على شواطئ الزمالك والعجوزة ومع ظاهرة خصخصة الشواطئ النهرية والبحرية وهو ما يتعارض مع مبادئ المساواة في الدول الرشيدة، التي تمنع تحت أي ظرف حرمان المواطنين من هذه الإطلالات العامة، وفي مقابل هذا التنفيذ المفرط في القوة بالوراق، لا تبدو قضية خصخصة الشواطئ مطروحة، وهذا ضرب جديد لقضية العدالة.

وإذا تغاضينا عن اللامساواة بين ضعفاء الوراق وأقوياء الفنادق والهيئات السيادية، فالمدهش أن اللاعدالة قائمة بين الفقراء أنفسهم، عندما نرى هذا العنف مع سكان الوراق في مقابل المعالجات الحنون لعشوائيات أخرى تم بناء أحياء بديلة لسكانها، وتسليم بعض هؤلاء السكان الشقق كاملة الفرش بحضور رئيس الجمهورية، كما حدث في حي الأسمرات البديل لعشوائيات الدويقة.

من الواضح أن هذه الإدارة تفتقد إلى مدونة سلوك ومدونة أخلاق تقيس عليها قراراتها، لكنها تتصرف بوارع من أزمتها الاقتصادية، ويزوغ بصرها عندما تكون هناك حصيلة منتظرة من قرار معين، وتتجاهل القياس على تصرفها السابق مع حالات مماثلة.

 لكل هذا فقد شكلت الأزمة مناسبة أخرى لشق الرأي العام، فهناك من يتعاطف مع سكان الجزر، ومن يعتبرهم لصوصًا، وهذه هي القسمة التقليدية بين معارضة النظام ومؤيديه،  بصرف النظر عن عدالة هذه القضية أو تلك. وكل مناسبة كهذه تزيد من ترسيخ الكفر بالعدالة، مما يزيد من هشاشة السلم العام الذي لابد من توافر حد أدنى منه للحفاظ على سلامة الوطن.