في مديح الخلف الصالح: أحمد شافعي وآيت حنا والعلي

  أكن إجلالاً للمترجمين يفوق ما أحمله لغيرهم من منتجي الثقافة. لا أعرف كيف ينظر من يقرأون بلغات أخرى إلى المترجم. في كل الأحوال، لا يستطيع أحدنا أن يقرأ بكل لغات العالم، ربما يقرأ بلغتين أو ثلاث بخلاف لغته الأم، ويبقى بحاجة إلى أعمال الرسل، رسل المتعة والمعرفة هؤلاء.

   هم بالنسبة لي الآباء الأصليون للنصوص التي يترجمونها، هم الذين ربوا، وليس من وضعوا البذرة في لحظة متعة. سعي الكاتب إلى الكتابة هو سعي وراء متعته الخاصةالتي تخلف وراءها ذرية تبقى حبيسة لغته الأصلية إلى أن يأتي مترجم يرعاها ويطلقها في لغة أخرى، ويكون هو الأب؛ فالكتاب الإسباني غير موجود بالنسبة لمن لا يقرأ الإسبانية، وكذلك الياباني، وكل كتاب غير موجود إلا في لغته الأم، حتى يأتي متطوع شهم يتبناه ويتولاه بالرعاية في لغة جديدة، ومن فرط نبله ينسبه إلى الأب الطبيعي الذي وضع البذرة في لحظة متعة طائشة، ولم يعد يعرف شيئًا عن حياة المولود.

  كل ثقافة بحاجة إلى أعمال الرسل؛ المترجمين، والثقافات المتداعية أكثر احتياجًا. بوسعنا أن نتخيل ضيق ثقافتنا العربية من دون الترجمة. ومن حسن الحظ أن هناك أجيالاً من المترجمين تتوالى لتوسع علينا إقامتنا في هذه الغرفة الضيقة المقبضة: الثقافة العربية.

محمد آيت حنا

 الذين يعانون من «ثقافة السلف الصالح» ليس بوسعهم أن يروا الخير إلا في أزمان مضت، لا يثقون إلا فيما قرأوه من قبل، ولا يرون هذا التواصل في أجيال الترجمة العربية،  لكنني أرقب بفرح جهود شباب، أعمارهم حول الثلاثين، أذكر منهم على سبيل المثال أحمد شافعي في مصر، محمد آيت حنا في المغرب، أحمد العلي في السعودية. ثلاثتهم مبدعون، ويعطون للترجمة جل طاقاتهم وأوقاتهم. أقرأ ترجماتهم وكأنها تآليف عربية، لا ثقل، لا غرابة. أشعر بأرواحهم اللطيفة في أبنائهم بالتبني: ذكاء الاختيار، سلاسة الأسلوب، وخفة اللعب، أما السؤال عن الدقة فيمكن أن يشغل الذين يحبون إنفاق جهدهم ووقتهم في أعمال خرقاء، كتفسير القبلة، وعد النجوم، والبحث عن مطابقة الترجمة لـ «الأصل».

أحمد العلي