من قال إن الجمال بريئ؟!

Hopper

ثلاث ساعات استغرقها في غداء اليوم. طلب قهوة تركية أتته مكنونة في كنكة نحاس صفراء، بدلاً من قهوة اللاأحد الأمريكية المهتوكة في دورقها الزجاجي. بدأ بتذوق فنجانه مع الصحيفة، يتحين الفرص لمراقبة الموائد من حوله. نظرتان لكل مائدة. نظرة متفحصة للرجل يستطلع بها درجة غيرته، ونظرة ذابلة ومثقلة بالاشتهاء، يُسرّبها باتجاه الأنثى.

يحب يوم العطلة المعروف في البرج باسم “اليوم العائلي” يرى فيه صغارًا فيتذكر أن أصل الطارىء طفل، يرى رجالاً ونساء، حيث تأتي أُسر من المدينة للاستمتاع بيوم البرج المميز. يُخلى الركن المطل على البحر من الطاولات، كي يُخصص للأطفال بلعبهم. وعلى طاولة العرض تتراجع سيطرة اللحوم لصالح أنواع الأسماك الفاخرة، التي تقدم في ذلك اليوم بوفرة مهرجانية تصل بالإنسان الباحث عن أناقة المأكل إلى حد الزهد، ولكنها تمثل بادرة ضيافة جيدة من إدارة البرج، تحقق الصورة المثلى ليوم عطلة منظورًا إليه من وجهة نظر الإدارة.

ـ نفهم ما يعنيه يوم عطلة. 

غمزة التشجيع الإدراية قد يضيعها الطارئون أزواجًا، لكنها تصل على وجهها الصحيح إلى كثير من الوحدانيين الذين يعرفون لماذا تسخر منهم الإدارة بتجديد قدرتهم العشقية عديمة النفع. لكنه، على العكس من ذلك، لم ينظر بأدنى ريبة إلى ذلك التدبير؛ بل رأى في اليوم العائلي بنسائه المسترخيات النسمة التي تلطف وحشته. عندما كان مخلصًا لرغباته أكثر من إخلاصه لما تسميه الأوساط الراقية “اللياقة الاجتماعية” كان يقول بلا مراوغة إن ما يميز ذلك اليوم هو الأثداء العارية أو التي تشف من تحت ليونة رداء قطني أو كتّاني ناعس كعين المرأة المغتبطة. الآن يقول باختصار إنه اليوم الذي تعود فيه المرأة أنثى.

ـ ليس للمستعجل جنس.

يقول متمنيًا أن يدوم اليوم العائلي طوال الأسبوع. في الأيام العادية تركض الطارئات بأزياء رسمية صارمة ووجوه متألمة تحت ثقل الخضاب والروائح الصناعية. يمررن بالمطعم متعجلات، يتناولن غداءهن منفردات أو مع رجالهن، بلا ابتسامة وسرعان ما ينصرفن بلا أدنى رغبة في الإحسان إلى عين مستجدية. في اليوم العائلي، لا يحتاج الطارىء المستوحش إلى نفس عميق لكي يتعرف أنفه  على رائحة المتعة التي تملأ المكان. تبدو الطارئات فائضات الأنوثة؛ لا يضعن المساحيق، ولا العطور التي تكبل الروائح الأصلية لأجسادهن. يتحركن بعفوية كأنهن في البيت، يدللن أطفالهن؛ ثمرات أوقات الفراغ الحلوة.

منظورًا إليه من طارىء سعيد وغيور، بدا مكشوفًا، إذ يمضغ ببطء ويبتلع مرغمًا لسد جوع غير موجود أصلاً، بينما اعتبرته عين أنثوية، فارقت زمن التوقعات، متطفلاً بائسًا. عبرتها عيناه مصادفة ولم تنبسا، لكن المرأة كانت تتعمد أن تنظر إليه بتأفف حرصت على أن يلحظه مرافقها أكثر مما يلحظ هو. رد عليها بنظرة مستهجنة. 

ـ تعرفين زيف ادعائك.

أسر إليها بنظرته، متجاهلًا ما ما رآه في عينيها من جمر ينتظر نفخة لتخليصه من طبقة الرماد؛ فهي ليست من النوع الذي يستهويه، ولم يكن ليهتم بها لو قابلها في العشرين.

تماديًا في الخطأ ظلت المرأة على تأففها، فوضعت نفسها في المكان الصحيح الذي لا تتمناه؛ إذ لا تتعامل المرأة الجميلة بمثل هذا العداء مع نظرة الإعجاب، لأن الجمال بطبعه يحب الفخر ويتطلع إلى التقدير، وبوسع الجميلة وحدها أن ترد على نظرة الإعجاب بامتنان، إن لم يكن صادقًا فمن باب المجاملة.

دارت نظرته تمسح المكان متظاهرة بالبحث عن نادل، لكن عينيه اللتين كانتا تحوّمان مثل نسر سرعان ما ثبتتا على ارتفاع منخفض فوق بطة تجلس القرفصاء، تداعب طفلها،  طوق بلوزتها يكشف عن الثديين. التقت عيناها بعينيه، جمعت طوقها وقامت، تشد ذيل البلوزة ليلتقي بزنار البنطلون المنزاح قليلاً للأسفل، لتستر خصرها المبتهج فوق مفرق الردفين الساهيين .

عادت إلى طاولتها. مالت على أذن رجلها تهمس، وكلما بالغت في ميلها نحوه كان ثدياها يبالغان في في الانسكاب . قام الزوج إلى مائدة الحلويات، جلب طبقًا، وضعه أمامها.

بزاوية صغيرة من عين واحدة يتابع نقرات شوكتها على قطع الحلوى. كانت نظرتها تلتقي مع نظرته في منتصف المسافة، كمضيّف كريم يلاقي ضيفه خارج البيت. تأخذ بنظرته المتحفظة إلى حيث سر فتنتها، بينما ترتفع يدها بقطعة حلوى إلى فم رجلها.

ـ من قال إن الجمال بريء؟ 

حتى المرأة المغتبطة، يمكنها أن تنطوي على الشر وتجاري نظرة الإعجاب، رغبة في مغامرة لن تقدر عليها، أو رغبة في السخرية من الناظر، أو لمجرد التسلية بلعبة وجدتها في طريقها، وربما رغبة في استثارة رجلها.

حاصرته كل رغبات جمالها الشريرة ووجد نفسه مشكوكًا من عينيه في سنارة امرأة سعيدة، هو الذي دخل المطعم صيادًا.

أحس بالتعب من اللعبة التي جعلته يُكره نفسه على طعام لا يريده. طلب بلطف من مالو فنجان قهوة جديد. ردت بالابتسامة الوظيفية المنضبطة، بينما كان بوسعه أن يتبين من تحت ابتسامتها ظل سخرية شامتة. وعادت أسرع مما توقع.

ـ شهية طيبة، سيدي.

قالت، بحياد عابس وهي تصب فنجانه بينما شف جفناها المرخيان عن دلال جمال كسير. بدأ ارتشاف القهوة متابعًا توزيع نظراته بين عناوين الجريدة وأثداء النساء. أحس بلا جدوى تخبط عينيه في الجمال المحروس برجال آخرين. انسحب مغادرًا إلى غرفته. توجه مباشرة إلى سريره. تجرد من ملابسه وألقى بها على الأرض. اندس تحت اللحاف. وأغفى سريعًا بتأثير خدر الغداء غير المعتاد.

“““““`

فصل من «البحر خلف الستائر»