قصة الهدر

   الأصل في الحياة أن يعيش الإنسان سعيدًا، عندما يكون مقبولاً كما هو بكل اختلافاته عن الآخرين وخلافه معهم، ومن هذه السعادة تنطلق ملكاته في الإبداع وإجادة العمل.

   لم تتقدم المجتمعات الراقية إلا بفضل القبول غير المشروط لأفرادها الذي يعطي لكل واحدة وواحد بقدر إنجازها وإنجازه، بينما تخلفت المجتمعات الأخرى وبينها العربية بسبب القبول المشروط، أو ما يسميه مصطفى حجازي في كتابه الإنسان المهدور «ثقافة الولاء بديلاً لثقافة الإنجاز». 

   ثقافة الولاء تهدر الفرد وتعطل قواه، ويصبح مجموع هدر الأفراد هدرًا عامًا لقوى المجتمع الذي يأخذ في الانحدار. والمفارقة التي تبدو جديرة بالتأمل أن المثقف العربي عاش يشير إلى الأنظمة العربية القبلية و«الحكم القبلي» باعتباره صفة ازدرائية وتعبيرًا عن التخلف السياسي والاجتماعي، لكن المحصلة النهائية لسبعين عامًا من التاريخ العربي تثبت أن الهدر في ظل الأنظمة القبلية كان أقل من هدر الأنظمة الانقلابية والثورية.

صحيح أن المجتمعات ذات البنية القبلية تربط الفرد بقبيلته، حتى المثقف الرافض لتلك البنية. وعلى أساس هذا الرباط تتحدد الفائدة التي يحصل عليها الفرد، وهذا هو الهدر في أبسط أشكاله وأقلها خطورة؛ فهناك موازين قوة بين القبائل، وهناك تقاليد الاستجارة، يمكن للضعيف أن يطلب حماية قبيلة كبيرة ويجاب إلى طلبه، وطبقًا لهذا البناء الاجتماعي، ترشح المنافع إلى أبناء القبائل ومنتسبيها بنسب متفاوتة حقًا، لكن دون إغلاق باب الأمل بالكامل في وجه أحد. هذا التوازن القبلي حدد كذلك شكل التعامل بين المواطن وجهات الإدارة. الضابط هو ابن قبيلته قبل أن يكون ضابطًا، والمتهم ابن قبيلته قبل أن يكون متهمًا. وهكذا فقد جعل الردع القبلي أقسام الشرطة والسجون أكثر إنسانية من مثيلاتها في الجمهوريات، على الرغم من أن البنية القانونية في البلاد القبلية أضعف من مثيلتها في الجمهوريات. لكن المنظومة القانونية لا تكون فاعلة من تلقاء ذاتها، وتحتاج إلى قوة مجتمعية لرعايتها، هذه القوة تحققها المجتمعات الحديثة من خلال جمهور واع يحرس تقاليده الديمقراطية.

وفي غياب الردع الجماهيري في الوطن العربي أصبحت قوانين الجمهوريات حبرًا على ورق، واستمرأ الشرطي الجمهوري الخلط بين ذاته وجسده وذات وجسد مؤسسته (كأن يطلب من المتهم تقبيل يده) وفي المنظومة القبلية كاء الرادع من المنظومة ذاتها، وعرف الشرطي والعسكري وظيفته كأداة للأمن ومن المستحيل أن يجعل نفسه طرفًا أو يُدخل جسده طرفًا في وظيفته. هذا بالطبع فيما يخص التعاملات اليومين وحالات الاتهام في الجنح والجنايات العامة، وليس فيما يخص حالات الاتهام السياسي.

  ولكي نعرف أن الهدر الأسوأ على مستوى العالم العربي، عرفته الدول القديمة في المدنية: مصر، ثم سورية والعراق والجزائر. يكفي أن نعلم أن الاحتياطي العراقي النفطي هو التالي لاحتياطي السعودية، ولدى العراق فوق ذلك نهران وصناعة واكتفاء من الأيدي العاملة، ولديها كل هذا البؤس!

 قبل انسحاب الاستعمار الأجنبي كانت الحواضر العربية الكبرى تتعلم الديمقراطية وترسِّخ مدنيتها رغم الاحتلال. وكانت قيم الاختلاف مستقرة وفضيلة التفاوض بين قوى المجتمع مرعية، لكن الأنظمة الثورية سعت إلى التوحيد، حيث لا مجال سوى لعقل واحد ضعيف التكوين وصوت واحد هو الأقل عقلانية، وفي حراسة السلاح ولدت قبيلة واحدة طاغية هي قبيلة السلطة، حيث لا ترشح المنافع من قمة الهرم إلى قاعدته إلا حسب الولاء. في هذه القبلية البديلة ما يهم هو الولاء لا الكفاءة.

قصص الهدر في البدايات كانت عنيفة تتضمن التنكيل وليس مجرد الاستبعاد. كان صدامًا بين المخضرمين الذين تربوا في ظل ثقافة الإنجاز وبين منتصرين يفرضون معيارًا جديدًا فاسدًا.

  خلال سبعين عامًا من الفرز، صار الصعود حكرًا على الموالين، بينما كانت المدحلة تلقي على جانبي الطريق بذوي الكفاءات الذين يجترون الإحباط والمعاناة والغضب. مع الوقت لم يعد  تمكين غير الأكفاء مثيرًا للاستغراب مثلما كان في البداية. صار غير الأكفاء قوة متعاضدة، وصارت مخرجات التعليم تقدم أغلبية الإنتاج من هذا النوع، فقد جرى على التعليم ما جرى على كل المرافق من ترويض وتفشيل. 

 الجاهل سهل التطويع، وبفضل هذا الصنف أصبحت المؤسسات شكلاً فارغًا، تنفذ ما يمليه رجل واحد. القذافي بالذات كان صريحًا في رفض فكرة الدولة. أعلن أنه قائد ثورة وليس رئيسًا، بهذا ليس مطلوبًا منه أن ينفق أموالاً على انتخابات مزورة، ولا أن يتقيد بموسسات ولو خانعة؛ فالمسيرات الثورية جاهزة لتأييده وتفويضه في كل قرار على حدة. واستمرت مسيرة الانتصارات الوهمية، وأخذت ألقاب الزعيم تتعدد حتى باتت تملأ سطرًا واسم الدولة سطرًا آخر، لكن في الواقع كان الزعيم نكتة وكانت الدولة إشاعة!

 هكذا دخل العرب الألفية الثالثة منهكين. الرؤساء يتعملقون والدول تتقزم، بينما يزداد غضب الأكفاء المستبعدين، فكانت موجة الربيع الأولى التي تم قمعها حربًا أو دهسًا أو تشويها من بعد حيلة. أُعيد العفريت إلى القمقم، ولكن بعد أن تمدد حجمه فأصبح بقاؤه في القمقم مؤلمًا، ولا يمكن أن يدوم.