في جزيرة الشهوات

عن دار خطوط وظلال بالأردن صدرت طبعة جديدة من «كتاب الغواية» برسائل إضافية، والنص هو الرسالة السادسة عشرة من الكتاب:

حبيبتي

استعدت نفسي من أثر الرحلة، ودفعت فواتير الصحافة لمدة أسبوعين: مقالان لكل جريدة، كالماكينة انتهيت منها، ولم أنظر ورائي. استرحت قليلًا وقمت أحايل الرواية. لكنها لم تأت، على الرغم من أنني لم أجلس إلا بعد أن تحممت وجففت جسدي بمنشفتك، وأعددت لنفسي فنجان القهوة، في كنكتك، وصببته في فنجانك. لماذا تركت لي هذه الأشياء؟ لتعذبيني بالحنين؟

الكتابة خجول لاتظهر في وجود آخر، ووجودك كثيف من دون كل هذه الأشياء. فتحت الكمبيوتر لأبدأ الكتابة، فرأيتك وقد سحبت كرسيًا وجلست في مواجهتي بابتسامتك الجميلة وحزن عينيك.

غالبت الشوق، وأنا أراجع ما كتبت لأنطلق منه،  كراع يحاول المؤاخاة بين ذئبة وحمل: أنت والكتابة. ولكنني لم أنجح فأغلقت الجهاز، وتكومت على الكنبة. أغمضت عيني، انتظارًا ليدك تمتد لتدلك رقبتي وظهري. وعندما لم تأت، قررت أن أخونك مع كتاب!

 لم أخبرك على التليفون بأنني أمتلك الآن نسخة من رواية “الفهد”.

 وكان قد أثار شهيتي إليها، وحملها إلى أخيرًا الصديق الشاعر خيري منصور.  والنسخة التي صرت أمتلكها صورة ضوئية مصورة عن نسخة في مكتبة عمَّان العامة، حيث لم يجد الصديق نسخة أصلية بعد أن تورط في الوعد، وهو ما ضاعف امتناني له  وفرحي بالرواية التي أخذت أتحين الفرص لقراءتها دون جدوى على مدى أشهر.

قلت: قد تصلح علاجًا. فتحتها، وأخذت أتأمل  تاريخ النشر الذي يعود إلى  العام 1973. وشرعت أتخيل شكل المتعة المحتملة داخل الرواية من خلال جمال انسيابية خط الثلث المتقن الذي كتب به العنوان، وفي التقابل بين وضوح غموض اسم المؤلف ووضوح خط النسخ المكتوب به: جوزبي تومازي دي لامبيدوزا، وفي اسم المترجم عيسى الناعوري الذي أهدى المكتبة العربية العديد من الترجمات، ومن بين عطاياه الجميلة هذه الترجمة لرواية وحيدة مؤلفها، وهو أمير لجزيرة لامبيدوزا الإيطالية نشرت عام 1958 بعد وفاته بعام. 

هيأت مكمني الذي سأقيس فيه قدرة الرواية على الإمتاع. وقد نجحت في الاختبار؛ إذ أخذتني تفاصيل الحياة ـ الموصوفة بكلاسيكية  تنتمي إلى حساسية القرن التاسع عشر لا العشرين ـ إلى  قاعات رحيبة في قصر النبيل الإيطالي المتعطل عن العمل. رأيت الآلهة اليقظى في رسوم السقف المرتفع، وتعرفت إلى أبناء أسرة سالينا بفخامة المظهر واللهجة المهذبة المميزة لطبقتهم، ورأيت بؤس الأعماق الذي يشتركون فيه مع العامة. 

وأخذت أبحث لنفسي بين كل شخصيات الرواية عن جسد وحياة أحل بهما بديلا عن جسدي وحياتي البائسين، مستبعدًا منذ البداية أن أكون الملك الذي يبدو دوره شاحبًا تمامًا، كما استبعدت الأمير الدونجوان فابريتسيو، ترفعًا عن مضاجعة البغايا في باليرمو. 

 ولم يعجبني أن أكون ابن اخته وربيبه، الذي يحارب ضد ملك لا يهش ولا ينش ولايدينه الراوي بشيء.  وليس لمن اكتوى بفوضى الجمهورية أن يشعر بأي إعجاب تجاه شاب نفّاج، يسعى إلى تقويض الحكم الملكي لمجرد الرغبة في الاختلاف مع طبقته.

ومع ما تنطوي عليه مهنة كاهن الاعتراف من جاذبية الاستمتاع بآثام الآخرين دون أن أحمل وزر ارتكابها،  لم أجد في نفسي الرغبة لأن أكون الأب “بيّرونة” الذي يعيش رهن حماقات الأمير المغفورة سلفًا، وقد أصر هذا الأخير على أن يصحبه في رحلته إلى باليرمو، ليكون على بعد خطوة واحدة من موضع الإثم، من دون أن يتمكن الأب الطيب من معارضته أو مشاركته! بعد كل لقاء غرامي يهرع الأمير ليعترف للكاهن، يترك الخطايا بين يديه وينام خالي البال وينطلق في اليوم التالي لمتعة جديدة!

لست أفضل حالًا من أبطال الرواية؛ أنا المحكوم بالاطلاع على كل الآثام دون قدرة على منعها. رأيت نفسي في الكلب “بنديكو” فهو الوحيد الذي يتصرف بحرية، ويعبر عن وحدته وأشواقه بصراحة في هذا القصر؛ تُهيِّجه الروائح الشهوانية للحديقة فيشرع في تفتيت القرنفل والحفر تحت السياج وهدم قنوات الماء!

ومع التقدم في الرواية كنت أستزيد اقتناعًا بقدر وحدتي، فلا خيانات الأمير للأميرة المسكينة جلبت له السلوى، ولا ابن أخته الضابط “تانكريدي” استمر في مناهضته الاستعراضية للنظام؛ بل تحول إلى ضابط في جيش الملك. ولم تكن تفاهته في الحب بأقل من تفاهته في الحرب، فقد قضى أسبوعًا مع خطيبته أنجليكا في رحلات عديمة الجدوى لاكتشاف الأجنحة المهملة والحجرات المهجورة من قصر العائلة الريفي المترامي الأطراف. رحلات يومية تستهلك نصف النهار يعودان بعدها إلى الآخرين في الجزء المأهول من القصر مغبرين بالتراب، تفوح منهما رائحة الشهوة غير المشبعة، دون أن نعرف كيف يستطيع الضابط العائد من نزهاته الثورية الاحتفاظ بكل هذا البرود. 

كنت أتصورك معي في تلك المتاهة المدهشة، وكيف كان علينا مباركة كل غرفة من غرفها، نيابة عن العاشقين المترفعين عن كل فرص النصر.

 زادني غيابك وقلة همة الضابط اقتناعًا بقراري، واستقرت روحي بسلام في الكلب بنديكو. ومثل “بنديكو” حقيقي أخذت أتقافز مع متعة القراءة، لكن جسمي بدأ يحفر لنفسه في الكنبة خندقًا، وحملني الدفء إلى غفوة لذيذة، بددها أجمل صوت آلي في حياتي: رنين التليفون باستقبال رسالتك: أشتهيك الآن بجنون.

أنا أيضًا أشتهيك. وأعرف أنني لن أنجز شيئًا، في ظل كل هذه الو