مدينة الطوباوية الرأسمالية

لدينا في العالم العربي معماريون أفذاذ، يُذكر بعضهم على قدم المساواة مع معماريي الغرب الكبار، لكن لدينا القليل جدًا من المُفكرين المعماريين؛ نقاد العمارة وفلاسفتها الذين يبحثون في الظواهر المعمارية وتخطيط المدن العربية باعتبارها ظواهر سياسية واجتماعية ودينية، من هذه القلة، الأستاذين ناصر الربَّاط وعلي عبدالرءوف. وقد شرفت باستكتاب عبدالرءوف في منابر صحفية قُدتها، وله بحث حول التاريخ السياسي لميدان التحرير، صار كتابًا فيما بعد، ومن كتبه وأبحاثة كتابه «من مكة إلى لاس فيجاس وبالعكس.. أطروحات نقدية في العمارة والقداسة» كتب مقدمته الدكتور ناصر الربَّاط؛ فجمع الكتاب بين اثنين أُقدرهما التقدير كله، وأرى أن ما يكتبان ضروري لكل قارئ يريد الاستمتاع واستكمال وعيه الذاتي بالواقع. وهنا مقدمة الربّاط، المعنونة «مدينة الطوباوية الرأسمالية».

ناصر الربّاط

ـــــــــــــــــــــــــــــ

مكة المكرمة مدينة لا كغيرها من المدن.  أولى مدن الإسلام المقدسة وأهمها، وقبلة صلوات المسلمين على مر العصور.  تشد إليها الرحال من كل فج عميق ويزورها كل سنة ملايين المسلمين ساعين لاستكمال دينهم والتزود منها بعبق روحاني يعينهم على مواصلة الحياة والتهيؤ لما بعدها.  

   لا تشابهها في ذلك سوى بعض المدن المقدسة الأخرى في العالم كالقدس وروما وبنارس وسان جوان دي كومبستللو التي يحج إليها مؤمنوها ويتكبدون لأجل ذلك مصاعب الطريق ووعثاء السفر.  بل إن مكة تزيد عليهم في أن الحج إليها فريضة على كل مسلم ومسلمة إن استطاعا إلى ذلك سبيلاً مما يعني تعاظم التدفق إليها في موسم الحج عما غيرها من المدن المقدسة وتطاوله على مدى العام في زيارات المعتمرين.  وقد تراكم فيها على مدى الخمسة عشر قرناً من تاريخ الإسلام ذكريات كثيرة ابتداءاً من أصولها ماقبل التاريخية من إعادة بناء البيت على أيدي إبراهيم واسماعيل بعد ظهوره الأول على عهد آدم أبو البشر، ثم إلى الحدث الأعظم من ولادة الرسول وترعرعه فيها وولادة رسالته واشتداد عودها فيها وعودته إليها ظافراً وفاتحاً عند اكتمال رسالته، مروراً بما خلفه فيها الملاين من المقيمين والزائرين والمجاورين من عامة المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها وماصنعه وبناه الحكام الطامعين بتخليد أسمائهم فيها من ذكريات مبنية ومرئية ومكتوبة ومحكية، وانتهاءاً بمشاريع التوسع العملاقة التي طوقتها من كل حدب وأزالت الكثير من معالمها القديمة في نصف القرن الماضي وبخاصة في السنوات العشرين الأخيرة.

   تاريخ وتمويل ومغازي ومعاني مشاريع التوسع هذه، على الرغم من أهميتها الفائقة، من الموضوعات المسكوت عنها في الدراسات النقدية المعاصرة.  هذا لا يعني أن الصحافة لم تغط هذه المشاريع عند الإعلان عنها أو بعد إنشائها، أو أن الأدبيات المهنية من هندسة وعمارة وإدارة وتمويل لم تدرسها.  فهناك العديد من المقالات الصحفية والبحوث العلمية التي وصفت وحللت تصميماتها وهندستها وتكنولوجياتها المتطورة وتعقيد إدارتها وتخديمها.  هذه الدراسات كلها تلاحظ ضخامة مشاريع التوسع هذه وشموليتها وتعقيدها وارتفاع كلفتها الفلكية، حيث أن الدولة السعودية، بما أنها مسؤولة عن المدينة، قد آلت على نفسها تأمين الحج بكل خدماته ومتطلباته، والتوسع في ذلك مع توسع عدد الحجاج وبلوغهم الرقم الهائل، ٣ ملايين حاجٍ في الموسم، كلهم يريد سقفاً وطعاماً وصحة وأماناً وسهولة في التنقل لإداء شعائر الحج في المدينة وحولها.  ولكن هذه الأدبيات على كثرتها نادراً ماتتطرق إلى ماهو أبعد من القبول بضرورة التوسع على الرغم من أكلافه الباهظة مادياً وعمرانياً ومعنوياً واجتماعياً، أو إلى التساؤل عما إذا كانت مشاريع التوسع هذه، التي لاتطرح عادةً للنقاش قبل تنفيذها على جمهور السعوديين أو مسلمي العالم الذين يمتلكون حقوقاً رمزية في المدينة المقدسة، ضرورية أصلاً أو أنها تتقيد بمعايير احترام قدسية المدينة وثرائها المتنوع بالذكريات الإسلامية المتراكمة.  فالكل يتوقف عادةً عند ملاحظة سخاء الدولة السعودية في تنفيذها ويلتزم الصمت حيال الدوافع الكامنة وراء ضخامة بعضها أو مبررات احتلالها لمواقع معينة في المدينة، أو، وهذا موضوع شائك حقاً، ماتسببه هذه المشاريع من أضرار للبنى المدنية والعمرانية والثقافية للمدينة المقدسة أو ماتدمره في طريقها من مواقع وشعائر وذكريات ومحيطات حياة للمكيين أو للمسلمين عموماً.  أي أن النقد، بمعناه المعرفي الواسع، غائب أو شبه غائب من دراسات مشاريع التوسع العملاقة في مكة المكرمة، قبلة المسلمين الأولى.

لهذا أسباب عديدة أولها هو غياب النقد عموماً في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، من جملة مايغيب من الأدوات المعرفية التي طورتها الإنسانية في العصور الحديثة، تارة بادعاء عدم مواءمتها للتراث الفكري العربي والإسلامي وثوابته العقائدية والإيمانية وتارة بسبب اتهامها بالارتباط بالاستعمار الغربي والامپريالية العالمية وغيرها من الشماعات التي تعودنا كسلاً أن نعلق عليها نواقصنا وعجزنا بدلاً من مواجهة تحديها وتعلم طرائق عملها واستخدامها لمقارعتها في ميادينها نفسها، وتارة بسبب تخلف أساليب تعليمنا مما يجعل عموم مثقفينا ومتعلمينا هيابين للنقد ومنه ومختصرينه إلي التقريع فقط ومتجاوزين دوره المعرفي الأساسي في علاقته بالمنقود.   وهناك أيضاً أسباب أكثر مباشرة بعضها يتعلق بشح مجال النقد في الدراسات المعمارية والعمرانية بشكل خاص في اللغة العربية مقارنة مثلاً بالنقد الأدبي أو الشعري التي برع أجدادنا بها واقتفى مثقفونا أثرهم في العصر الحديث.  ولكن السبب الأكثر أهمية هو السعي الدؤوب لدى السلطات السعودية والمستثمرين في مكة من سعوديين وشركات متعددة الجنسيات وعابرة للقارات لقمع أي محاولة لنقد هذه المشاريع النيوليبرالية الرابحة في المدينة المقدسة وتصويره على أنه خروج على مبادئ الدين الحنيف تارة أو نكران لفضل السلطات السعودية في تيسير الحج وسهرها الدائم على توفير مايجتاجه الحجيج -وهو كبير بالفعل- تارة أخرى.  وتبقى مكة المدينة ومكة الذاكرة الجمعية الإسلامية ومكة منبع الروحانية والقداسة في الإسلام الخاسر الأكبر من انعدام النقد هذا.

من هنا تأتي أهمية كتاب علي عبد الرءوف من مكة إلى لاس فيجاس وبالعكس: أطروحات نقدية في العمارة والقداسة هذا.  فهو قد امتلك من الجرأة المعنوية والأدبية والإحساس الإسلامي المخلص مادفعه لكسر الحاجز الوهمي الذي منع الكثيرين غيره، إلا فيما ندر ممن يعطيهم حقهم في الاعتراف بالأسبقية في نصه، من سبر وبحث وتحليل ونقد مشاريع التوسع المكية في العقود القليلة الماضية وتسارعها في السنين العشر الأخيرة خاصة.    وهو قد امتلك من الإلمام بأدوات النقد الحديث، بسياقاتها المعمارية والتاريخية والإحصائية، ماسمح له بأن يقارب الموضوع من زواياه المختلفة بحيث أنه تطرق للعوامل التاريخية والمعمارية والتصميمية والإيمانية والاعتقادية والسياسية والتمويلية والنيوليبرالية والثقافية التي تضافرت جميعها على خلق واقع مكة المرعب حالياً وبشكل خاص المنطقة المركزية منها حول الحرم.  وهو قد نجح في كتابه الصغير هذا ولكن المثقل بشجون الغيور على مدينته المقدسة وذكرياتها ومآلاتها في سرد قصة التوسعة بتفاصيلها وفي البحث في غوامض مسبباتها وخلفياتها، وفي تسليط الضوء على بعض المسكوت عنه من هذه الدوافع والخلفيات وفي نقدها من دون أن يغمط أي من الأطراف الفاعلة في قصة التوسعة حقه من المدح والذم والتنبيه.  وهو بعد ذلك كله قد تمكن من استخدام نقده بطريقة بناءة  لاقتراح طرق لمعالجة بعض الضرر الذي أصاب المدينة في السنين الماضية أو لتلافي استمراره أو حتى في إعادة استدراك مافرط فيه من خلال مشاريع التوسعة المكية.  وهو قد صاغ مقاربته النقدية والواعية صياغة لطيفة حيث أنه قدم نفسه ليس فقط كباحث مراقب مدقق ودارس بل كفرد منفعل ومؤمن وملتزم بعمران مكة واحترام قدسيتها، ومتألم مما آل إليه وضع عمرانها التاريخي المبني والمتذكر، مما أضفى على كتابه حميمية وألفة وأعطى لصوته رنة صادقة ومباشرة.

ولكن نقد علي عبد الرءوف، على الرغم من تركيزه على مشاريع التوسعة في مكة المكرمة بشكل كبير، فهو يتجاوز حدود المدينة وحدود ذكرياتها وقدسيتها لكي يقدم رؤية نقدية لظاهرة أوسع من المدينة المقدسة، ألا وهي ظاهرة المدينة الخليجية المعاصرة التي اقترح مايك ديفيس، العمراني الأمريكي المشهور، لها اسم المدينة الطوباوية الرأسمالية.  فعبد الرؤوف يرى أن التوسعة الأخيرة في مكة المكرمة المعاصرة جعلتها أقرب إلى أن تكون واحدة من هذه المدن الخليجية منها من أن تكون المدينة المقدسة المتفردة والمتميزة التي كانتها منذ ظهور الإسلام وحتى الماضي القريب. هذه المدن الخليجية التي كانت تنام وادعة على شواطئ هادئة أو في طيات صحارى شاسعة حتى جيل مضى تبني اليوم بوتيرة هائلة وتتوسع أفقياً وشاقولياً بسرعة خيالية.  ولايقتصرن الأمر على دبي التي أصبحت رمزاً للانفلاش العمراني والمبالغة الاستهلاكية الهائلة بل يتعداه لكل مدن الكويت وقطر والإمارات والبحرين وعمان والسعودية.  كلها منغمسة في عملية يمكن أن نسميها نسبة إلى دبي مدينة منشأها “بالدبينة،” أو نسبة إلى “لاس ڤيغاس” كما يقترح عبد الرؤوف قاصداً بذلك تحليل المعماري الأمريكي الشهير روبرت ڤينتوري لظاهرة لاس ڤيغاس، وإن كانت كلاً منها تفتش لنفسها عن صورة خاصة أو وظيفة مغايرة تميزها وتعطيها شيئاً من التفرد في حلبة منافسة حادة على استقطاب رؤوس الأموال.  ولكن هذه الطفرة في الخليج ماهي بالحقيقة إلا صورة نهضة أكثر منها نهضة حقيقية عمرانية كاملة متكاملة.  فهي في الحقيقة قد تجاوزت التسلسل التاريخي الذي أنتج الحداثة من دون أن تمر بها وقفزت مباشرة إلى مابعد-حداثة الرأسمالية المتأخرة، معربشة على ثقافة الاستهلاك والاستثمار: طرفي الدائرة الاقتصادية النيوليبرالية الشرسين.  ومدن الخليج، من خلال تسابقها على استنساخ هذه الصورة، قد نجحت بأن تكون معاصرةً بالمعنى الرأسمالي العولمي للكلمة، أي الحاوية والمحتوية لمفاهيم السوق والاستثمار والاستهلاك، بغض النظر عما افتقدته من مراحل النمو الصناعي والمعرفي والتقدم العلمي والاجتماعي والتنكولوجي والثقافي بالمعنى الشامل للثقافة.  

هذا التخطي المتعجل له جذوره التاريخية طبعاً ولكن تداعياته الحالية تظهر أكثر ماتظهر في البنية السياسية السائدة والقامعة لكل فكر مغاير، وفي النسيج الاجتماعي التقليدي الذي يلغي دور قطاعات كاملة من المجتمع كالنساء والشباب، وفي برامج التعليم والابداع التي مازالت تركز على التقليد والحفظ والامتثال للقواعد والعادات واحترام السلطة وماإلى ذلك من مناحي ثقافة ماقبل عصر الصناعة. 

 هذه الثقافة التي ربما كانت مؤاتية لمجتمع بسيط لم يتطلب الكثير من الرفاهية وفضل النسيج الاجتماعي القوي على الحراك الاجتماعي الضروري لكل عملية اقتصادية انتاجية.  ولكن الحال تغير اليوم، إذ ارتفع مستوى الدخول في دول الخليج ارتفاعاً هائلاً وازدادت متطلبات المجتمع والأفراد من أدوات الاستهلاك والرفاهية والاتصالات وغيرها مما لايمكن للسوق المحلي من تلبيته بحال من الأحوال.  زادت ثقافة الاستهلاك بزيادة الثراء ولم يقابلها بعد ثقافة الانتاج فتعاظم دور الاستهلاك في تحديد هوية المواطن على حساب الانتاج وظهر في الخليج نموذج أكثر حدة من المستهلك الثري الذي يحدد استهلاكه دوره الاجتماعي والاقتصادي وحقوقه السياسية وأفقه الثقافي وحراكه المدني.  وجاءت الأصولية الدينية المتجذرة والمدعومة من قبل قطاعات واسعة من الحكام والمستفيدة من الوضع القائم لكي تؤطر هذه الثقافة وتحجّرها في قوقعة فقه مغرق في التزمت والانغلاق على الذات، معطوفاً على عنجهيةٍ متباهية أمنها لها ثراء النفط.  

ولكن ما زاد الطين بلة في حالة مكة المكرمة، كما يوضح عبد الرؤوف، هو البعد المقدس للمدينة والدور الخاص جداً التي تلعبه في أفئدة المسلمين.  فبالإضافة إلى طغيان اقتصاد السوق على مشاريع التوسعة والبناء والتسويق في مكة المكرمة وجرفها لكل ماهو أمامها من مبان تاريخية أو عاطفية وذكريات ألفية وأجواء روحانية تميزت بها المدينة وحرمها، فقد تسببت هذه الاندفاعة الاستثمارية الشرسة بانفصام معرفي وثقافي واجتماعي هائل ناجم عن التعارض الواضح والشديد مابين مبادئ السوق النيو ليبرالية والأسس الروحانية والزهدية لمناسك الحج ومراميه ولمعنى مكة الإسلامي التعبدي الشامل.  فهنا نحن أمام نموذج جديد من المستهلك: المستهلك للمقدس، الذي تغريه شركات الاستثمار بالاستهلاك عن طريق تلاعبها ليس فقط برغبته بالراحة والانشراح والمتعة كما تفعل عادة، بل أيضاً باستهلاك البعد الروحاني للمدينة المقدسة ذاتها عن طريق الصلاة في غرفة مكيفة مطلة على الحرم في فندق ڤيرمونت أبراج البيت مثلاً من دون الحاجة إلى تكبد عناء النزول والاختلاط بملايين المصلين الطائفين.  وقد ساهم بعض فقهاء السلطة بتعبيد الطريق أمام هذه النظرة الاستهلاكية المسخ بإصدارهم فتاوي بصلاح الصلاة في الغرفة المجهزة بنافذة جدارية كما لو كان المصلي يصلي فعلاً في الحرم كما يبين عبد الرؤوف.  والأمثلة كثيرة على هذا النوع من التحالف بين مصالح رأس المال السعودي و”فقه البادية،” كما أسماه شيخ الأزهر الحالي ناقداً ومنتقداً، مما يسلط عليه الضوء كتاب علي عبد الرؤوف الذي هو بنهاية الأمر نذيرٌ محبٌ يدق ناقوس الخطر، وإن كان بعد فوات الأوان كما يبدو.